قضية التعليم من القضايا الإنسانية الجوهرية التي استحوذت على قسط وافر من اهتمام البشر عبر مختلف العصور، لأن التعليم بمعناه الإنساني هو عملية تناقل المعارف الإنسانية المتراكمة لتهذيبها والبناء عليها في سبيل تحسين الوجود البشري في الحياة، وفي عصرنا الحالي كان من تجليات الاهتمام بالتعليم كقضية إنسانية: التناول السينمائي له أو لموضوعات أخرى تتعلق أو تتصل به، وكان هذا التناول في مجمله تناولًا نقديًا يحاول أن يخلص عملية التعليم مما طرأ عليها من التوظيفات الخاطئة التي أفقدتها البعد الإنساني وجردتها من معانيها السامية وحولتها إلى عملية وظيفية متعسفة لا تراعي البعد الإنساني ولا ترى البشر إلا كآلات للإنتاج المادي ولا تهتم بهم إلا من حيث تحسين مقدرتهم على زيادة هذا الإنتاج بقطع النظر عن أي جوانب أخرى، ومن بين أفلام كثيرة اهتمت بتبني هذه الرؤية نضع بين أيديكم هذه القائمة المختصرة لبعض الأفلام المختارة التي نظن أنها كانت الأوضح في الرسالة والأقوى في التأثير، ونرى أن مشاهدتها ضرورية لجميع المعنيين بالشأن التعليمي، ليتسنى لهم وضع الأمور في نصابها، وإعادة ترتيب الأولويات على نحو صحيح.

 

1- البلهاء الثلاثة (3 Idiots):
اخترنا أن يكون هذا الفيلم في بداية القائمة لأنه الأكثر مباشرة ووضوحًا في رسالته كشأن السينما الهندية عمومًا، لا وجود لترميزات خفية أو معانٍ عميقة غالبًا، بالإضافة إلى أن القالب الكوميدي الذي صيغت فيه رسائل الفيلم تجعل تجربة مشاهدته خفيفة برغم طول مدته نسبيًا إذا ما قورن بغيره من أفلام القائمة، الفيلم يحكي قصة ثلاثة من الطلاب الملتحقين حديثًا بالكلية الهندسية الملكية بدلهي، والتي تعد مؤسسة تعليمية مرموقة هناك، ومن خلال الصراع القائم طوال الفيلم بين الشخصيات المختلفة يقدم لنا وجبة نقدية دسمة لنظام التعليم الجامعي في الهند، والذي لا يختلف بطبيعة الحال كثيرًا عن النظم المتبعة في بلادنا، والميزة في هذا النقد أنه لا يتناول فقط بنية النظام التعليمي وتأثيرها على عقول الطلبة وانعكاس ذلك على أدائهم في مجالات عملهم لاحقًا، بل يركز كذلك على الجوانب الإنسانية من خلال خط أحداث رومانسي يشتبك مع كافة الأحداث التي تدور في خط القصة الرئيسية للفيلم، ومن خلال أحداث أخرى فرعية تدور على جانب القصة في مراحل مختلفة من الفيلم، وأيًا كان موقفك من السينما الهندية؛ فستعيش مع هذا الفيلم تجربة مشاهدة ممتعة ومضمونة الفائدة.






2- كُتَّاب الحرية (Freedom writers):
الفيلم يحكي قصة واقعية عن أستاذة شابة تمر بتجربة تدريس غاية في الصعوبة في مدرسة تضم طلابًا ينتمون لمجتمعات شديدة التباين في الظروف الحياتية والخلفية الثقافية، وجميعهم ضحايا للعنف المجتمعي والرؤى العنصرية بنسب متفاوتة، مما يجعل نفوسهم شديدة الاستهتار وسلوكياتهم شديدة العدوانية، ولأن الأستاذة هي الوحيدة التي تفهمت هذه الأوضاع ونظرت بعين الاعتبار للجانب الإنساني المدمر في حياة طلابها؛ فقد نجحت بعد مجهودات كبيرة في أن تعيد للطلاب في هذه السن الصعبة الرغبة في التعلم والجرأة على مواجهة الظروف الحياتية الصعبة ومحاولة تغييرها بدلًا من الاستسلام التام لها وإعادة إنتاجها لأجيال وأجيال قادمة، كل هذا فقط لأنها استمعت لصوت آلامهم، وأعطت اهتمامًا حقيقيًا لمشاكلهم الحياتية، وأدركت أن العملية التعليمية ليست عملية جافة تتم بمعزل عن الظروف الاجتماعية والاقتصادية للطلاب، بل هي عملية شديدة الحساسية للجوانب الإنسانية، ولا يمكن أبدًا أن تتجاوزها أو تنفصل عنها.




3- ابتسامة موناليزا (Mona Lisa smile):
على الرغم من أن قضية المرأة هي القضية الرئيسية التي تنتظم فيها كافة خطوط الأحداث؛ لا يخرجه هذا عن كونه فيلمًا تعليميًا بامتياز، إذ أنه في تناوله التاريخي للوضع المجتمعي للمرأة الأمريكية يجعل التعليم أداة التغيير، لا من حيث كونه وسيلة للترقي في الطبقات الاجتماعية لكن من حيث كونه وسيلة لتغيير تصور الإنسان عن نفسه، هذا التصور الذي يستقى غالبًا من السيناريوهات المجتمعية المعدة سابقًا، والأدوار الموضوعة بشكل تعسفي ليلعبها المرء مضطرًا دون وعي منه، وبمجرد تغيير هذا التصور ينطلق الإنسان في حياته حرًا من القيود الذهنية والنفسية المفروضة عليه، ويستطيع الوقوف على دوافعه الحقيقية، ويجعلها هي من يحركه ليحقق أهدافه الأصيلة في الحياة.




4- مقبول (Accepted):
أخف أفلام القائمة، ليس فقط لتصنيفه الكوميدي، ولا لقصر مدته مقارنة ببقية الأفلام المذكورة هنا، لكن أيضًا لسرعة إيقاع الأحداث الذي لا يشعرك بمرور الوقت في تجربة المشاهدة، وكذلك شدة مباشرة ووضوح الأفكار والرسائل التي قد تصل إلى السذاجة أحيانًا، لكنها تظل معبرة عن مشكلة التعليم التنميطي الصارم في معاييره، الذي لا يراعي اختلافات البشر، ولا يتفهم تفاوتهم في القدرات والمواهب، والذي يهمه التصنيف المرتفع للمؤسسة التعليمية الذي يعتمد على مجموعة المعايير المتعسفة لقبول الطلاب، ولا يخرج الفيلم عن إطار الكوميديا مطلقًا إلا في نهايته الدرامية، التي أتت مُرَكَّزَة ولطيفة على الرغم من كونها متوقعة.




5- مجتمع الشعراء الموتى (Dead Poets Society):
يعتبر هذ الفيلم هو أكثر أفلام قائمتنا عمقًا وجدية، وذلك –ربما- لطبيعة الموضوع الذي اختاره مجالًا لإسقاط إرشاداته التعليمية والتربوية، فالآداب والفنون من المجالات التي تتسع فيها مساحة الذوق والانفعال الإنساني، بما يعني أنها مرآة تظهر فيها انعكاسات القدر الإنساني المشترك بين تجارب البشر على مر العصور، وبالتالي فالتعامل مع مجالات كهذه بصرامة علمية مطلقة تركز على عوامل محدودة وتهمل بقية العوامل ولا تراعي الاختلافات والتفاوتات هو أمر متعسف بوضوح، وهذا بالضبط هو موضع نقد النظم التعليمية السائدة! إهمال الاختلاف والتفاوت وتعميم اعتماد عوامل محدودة فقط في إنتاج الأحكام، السعي الدائم وراء النظام المحكم المنضبط الذي ينتج في النهاية قوالب بشرية جاهزة عديمة الشخصية مطموسة الملامح، كما أن الفيلم يتجاوز الجانب التعليمي إلى الجانب التربوي من الأهل كذلك، ويحملهم من خلال روايته لأحداث شخصياته مسؤولية الاحتفاظ لأبنائهم بشخصياتهم المتفردة والمميزة عن جميع الأقران، استمتعوا بتجربة المشاهدة، واحرصوا على الإفادة منها عمليًا في تربية الأبناء وتعليمهم.




6- ويل هانتينج الطيب (Good Will Hunting):
روبن ويليامز مرة ثانية، فيلم آخر ورسالة جديدة هذه المرة: التعليم ليس استهلاكًا للنفس واستنزافًا لمواهبها وقدراتها، التعليم هو إطلاق هذه النفس وتعزيز حريتها وإزالة المشاعر والأفكار السلبية عنها لتتمكن من الانفتاح على الحياة والتنقل بين تجاربها والإفادة منها بالقدر المطلوب، وفي الفيلم استعراض مهم لتصارع بعض القيم في مجال التعليم، تصارع يجعل تواجد الفيلم في قائمتنا مهمًا ولو كانت رسائله أعم وأعمق بكثير من أن نحملها على المجال التعليمي وفقط، تجربة أخرى مضمونة المتعة والفائدة أيضًا.  




 
7- مدرسة الروك (School of rock):
ربما يكون هذا الفيلم هو الأضعف اتصالًا بمجال التعليم من بين أفلام هذه القائمة، فهو –بجانب كونه فيلمًا كوميديًا خالصًا- أقرب إلى فيلم في معاني التنمية البشرية منه إلى فيلم تعليمي، وإن كان في النهاية يحكي قصة مدرس مع تلاميذه، لكن ما جعلنا ندرجه في قائمتنا رسالته الضمنية التي يندر أن يتحدث عنها أحد الأفلام التعليمية، وهي أن المعلم ليس دائمًا العنصر المؤثر في المعادلة التعليمية، بل قد يكون هو العنصر المتأثر، الذي يتحول مسار حياته بالكلية من الفشل إلى النجاح بفضل طلابه، وهو معنى شديد الأهمية، فيه تأكيد على أهمية أن تكون العملية التعليمية عملية تفاعلية من الطرفين وليست عملية أحادية يكون فيها المدرس فقط هو العنصر الفاعل، كما أنها رسالة إلى المدرس تدعوه إلى الإفادة من هذه العملية، عن طريق إعطاء اهتمام حقيقي لتلاميذه وعدم التقليل من شأنهم لصغر سنهم، والاستماع إليهم بأذن المتفهم لا بأذن متعالية.