Supply list

قضية تعريب المناهج هي أكثر القضايا التي دار بخصوصها جدل واسع النطاق سواء في المنافذ الإعلامية أو بين أولياء الأمور بعدما تم الإعلان عن الملامح الأولية للنظام التعليمي الجديد من قِبَل وزارة التربية والتعليم وقَبْل حتى أن تتم مباشرة تطبيقه، والآن بعد بدء تطبيق النظام مع بداية العام الدراسي الحالي 2018/ 2019 لم تعد القضية مجرد محفز للنقاشات ومحل لتبادل التعليقات بنوعيها السلبي والإيجابي، بل أصبحت مثار قلق حقيقي لأولياء الأمور الذين يرغبون في تعليم يكسب أبناءهم الميزات التنافسية في سوق العمل بعد انتهاء الرحلة التعليمية، وإتقان اللغات الأجنبية هو أحد أهم هذه الميزات التنافسية بالطبع، لذلك لم يعد التعامل مع هذه القضية يدور في الأطر النظرية الاعتيادية، بل اتخذ مظاهر أخرى أكثر جدية، تجسدت في بعض المناشدات الملحة من أولياء الأمور للجهات المعنية بالعدول عن تطبيق هذا الوضع الذي يرون أنه سيؤثر على المستقبل التعليمي والمهني لأبنائهم بالسلب، ونحن في السطور القادمة سنحاول توضيح كافة ما يتعلق بهذه القضية، لفك الاشتباك الحاصل في المفاهيم، وفتح المجال لتقييمات أكثر موضوعية.


اقرأ أيضًا: نظام التعليم الجديد: الصورة الكاملة!


أولًا: منشأ الجدل:
بعد تصريح وزير التربية والتعليم د. طارق شوقي بتوجهات الوزارة نحو تغيير النظام التعليمي واستبداله بنظام آخر بدأ الجميع يتساءل عن طبيعة هذا النظام وعما سيأتي به من تغيير في المخرجات التعليمية، وبمجرد التقاط بعض التصريحات التي تتحدث عن ملامح هذا النظام بدأ الجميع يستنتج بِنْيَتَه وهيكلته ومُكوِّناته ومستهدفاته، ويبني أحكامه ومواقفه على هذه الاستنتاجات الجزافية في غالبيتها، وبهذه الطريقة نشأ الجدل حول العديد من القضايا، منها قضية إلغاء التنسيق واعتماد نظام امتحانات القدرات للالتحاق بالكلية، ومنها قضية دمج النظم التعليمية المختلفة في نظام واحد، ومنها القضية التي نناقشها في هذا المقال: قضية تعريب المناهج، وبعد نشوء هذه الجدالات واحتدادها اتضح لاحقًا بعد الكشف الرسمي عن هيكلة النظام الجديد وجود العديد من الأخطاء في تصور الجماهير للنظام الجديد وطبيعته ومستهدفاته، وسنبين هذا في فقرات لاحقة من مقالنا هذا.


ثانيًا: تصور الجماهير:
مصطلح "تعريب" أثار ذعر أولياء الأمور الحريصين على مستقبل أبنائهم التعليمي والعملي فيما بعد، وكوَّنوا تصورًا سريعًا عن وضع اللغات في النظام التعليمي الجديد، ونستطيع تبين ملامح هذا التصور من رصدنا لردود فعل غالبية أولياء الأمور، الذين أكدوا على أن تعلم اللغات الأجنبية ضرورة حتمية، وأن تهميش هذه اللغات أو تقليص حجمها في المناهج التعليمية يفقد أبناءهم أحد أهم أدوات العصر، ويضعف جودة التعليم المحلي أكثر وأكثر، ويجعل المدارس الأجنبية الدولية هي الخيار الوحيد أمام أولياء الأمور للفرار بأبنائهم من هذا الوضع المتأخر، وخيار المدارس الدولية مرهق جدًا على المستوى المادي بالنسبة للكثيرين، وبالتالي أتى النظام التعليمي الجديد عليهم بالعبء المادي، وعلى أبنائهم بالضرر الدراسي.

وهذه الأقوال كلها تعني أنهم يعتقدون أن النظام التعليمي الجديد سيلغي دراسة اللغات الأجنبية أو يحد من استخدامها على الأقل، وسيجعل اللغة الوحيدة لتدريس المناهج هي اللغة العربية، أي أن غالبية أولياء الأمور يفترضون إلغاء اللغات الأجنبية واستبدال المناهج التي كانت تدرس بها بمناهج أخرى عربية، وهذا كما قلنا تصور متعجل، لكنه مفهوم بسبب الدلالة اللفظية المتبادرة لمصطلح "تعريب"، المهم أن لا يطول التمسك بهذا التصور المغلوط بعد الكشف عن الوضع الحقيقي المعتمد رسميًا، والذي سنوضحه فيما يلي.


اقرأ أيضًا: النظام التعليمي الجديد: أنت تسأل والوزير يجيب!



ثالثًا: الوضع الحقيقي:

في النظام التعليمي الجديد سيكون الوضع كالتالي:

- في المرحلة الابتدائية يدرس الطالب المواد التعليمية المختلفة في باقة مدمجة متعددة التخصصات، بمعنى أنه لا يدرس مادة منفصلة اسمها الرياضيات، ولا مادة منفصلة اسمها العلوم، بل يدرس جميع هذه التخصصات مدمجة في موضوع واحد، فيدرس مثلًا موضوعًا عنوانه: "الماء"، فيدرس فيه تركيب الماء، ويدرس فيه التوزيع الجغرافي للمسطحات المائية، ويدرس فيه حساب حجم كمية معينة من الماء، وهكذا. (هذا مجرد مثال توضيحي)
- هذه الباقة متعددة التخصصات تدرس للطالب باللغة العربية.
- بجانب الباقة متعددة التخصصات في المرحلة الابتدائية يدرس الطالب اللغة الإنجليزية من السنة الأولى كمادة منفصلة، أي أن اللغة الإنجليزية ستكون حاضرة في المناهج التعليمية منذ بداية المشوار التعليمي في المرحلتين الروضة والابتدائية.
- بدءًا من السنة الأولى الإعدادية يدرس الطالب العلوم والرياضيات باللغة الإنجليزية.
- بدءًا من نفس السنة (الأولى الإعدادية) يدرس الطالب لغة أجنبية ثانية بجانب اللغة الإنجليزية.

وتلخيصًا لما سبق: يدرس الطالب في النظام التعليمي الجديد اللغة الإنجليزية كمادة منفصلة في المرحلة الابتدائية، ثم في المرحلة الإعدادية تضاف إلى اللغة الإنجليزية لغة أجنبية ثانية، وفي نفس المرحلة يدرس الطالب العلوم والرياضيات باللغة الإنجليزية إجباريًا.


رابعًا: معيار المقارنة:
لا زال هناك ربط عند عموم الناس بين النظامين القديم والجديد للتعليم، وهذا الربط أوجد مجالًا لبعض المقارنات غير الصحيحة، فمن المنطقي أن تنعقد مقارنة بين النظامين من حيث المخرجات مثلًا، أو من حيث المستهدفات والمنطلقات والفلسفات، لكن المقارنة بينهما من حيث الدروس التعليمية المضمنة في المناهج مثلًا هي مقارنة مجتزأة وضيقة المنظور، وبالتالي ستكون نتائجها غير دقيقة أو غير عملية في الغالب، لأن الدروس التعليمية في كل نظام هي جزء مرتبط بأجزاء أخرى كثيرة تنتج بمجموعها مخرجات تعليمية معينة، فالنظام هو وحدة واحدة مترابطة، وبالتالي فمحاولة تقييم جزء واحد منها أو وضعه في مجال للمقارنة لن يفيد كثيرًا في الوصول لنتائج منضبطة، لذلك إذا أردنا مقارنة النظامين القديم والجديد يجب أن ننظر إلى النظام التعليمي باعتباره جسمًا واحدًا، كما يجب أن تكون معايير المقارنة كلية شاملة، لا جزئية ضيقة.


اقرأ أيضًا: النظام التعليمي الجديد: الجدولة الزمنية لمراحل التطبيق!


خامسًا: مجال التطبيق:
كذلك ينبغي عدم إغفال حقيقة مهمة، وهي أن النظام التعليمي الجديد يطبق بصورته الشاملة فقط على المدارس الحكومية والخاصة العربية والمدارس اليابانية، أم المدارس التجريبية والخاصة للغات والمدارس الدولية فهي لا زالت خارج مجال تطبيق النظام الجديد بصورته الكلية حتى هذه اللحظة.


سادسًا: تساؤلات وإجاباتها:

1- لماذا لم يتم تدريس العلوم والرياضيات بالإنجليزية ابتداءً من السنة الأولى الابتدائية؟
ج: لأن العلوم والرياضيات في هذه المرحلة ليستا مادتين منفصلتين، وإنما هما مكونين متداخلين مع المواد التعليمية الأخرى في الباقة متعددة التخصصات، وبالتالي لا يمكن تدريسهما بلغة مختلفة إلا إذا تم تدريس الباقة متعددة التخصصات نفسها باللغة الإنجليزية، وهذه حالة مستبعدة لأن وجودها يعني أن تدرس اللغة العربية بشكل منفصل فتكون هي اللغة الثانية وليست الأولى، وهذا وضع غير ممكن لضرره التربوي والاجتماعي.



2- ما هو وضع المدارس التجريبية ومدارس اللغات الخاصة في ظل هذا النظام؟
ج: حتى الآن لم يدخل هذان النوعان من المدارس كليًا تحت مظلة النظام الجديد، ولا زال التطبيق الكلي للنظام الجديد عليهما قيد الدراسة من الوزارة بحسب تصريح الوزير.



3- لماذا تم اعتماد نظام الباقة متعددة التخصصات من الأساس؟
ج: لأنها ترسخ المفاهيم في ذهن الطالب بشكل كلي مترابط وتجنبه التشتت والارتباك، كما أنها تقدم العلم للطالب في صورة شيقة كموضوعات عامة لا في صورته الجافة المنفرة على هيئة مواد منفصلة.



4- ما هي الصورة المجملة للنظام المتبع للتعليم في المرحلة الأساسية؟
ج: أجبنا عن هذا السؤال في جزء سابق من المقال، ونؤكد هذه الإجابة بإرفاق الصورة التالية الموضحة لتوزيع المحتوى التعليمي على السنوات المختلفة في المرحلتين الابتدائية والإعدادية.




هل اتضحت الصورة لديكم الآن بما فيه الكفاية؟ وإذا كانت الإجابة بنعم؛ فما هي تقييماتكم لهذا الوضع الجديد؟ هل لا زالت النظرة السلبية تجاهه قائمة؟ وهل تتوقعون له النجاح؟ شاركونا إجاباتكم.