جميل أن نستمع إلى صوت رغبة النفس وميولها واهتماماتها حتى لو تطلب الأمر إحداث تغيرات جذرية على مستوى طبيعة أنشطتنا وأسلوب حياتنا.. وجميل أن نتداول نصائح وتوصيات بـ "اتباع الشغف" و "عمل ما نحب" وما إلى ذلك.. لكن جميل أيضًا أن نعلم أن هذه كلها معان نسبية اعتبارية، والتحقق منها وبها أمر غاية في الصعوبة، وإن كان الانسياق وراء الرغبات أمر محمود فالأمر له ضوابط وقيود ولا يترك على هذا الإطلاق حتى لا تتحول تحركاتنا في الحياة إلى ما يشبه العبث، ونجد أنفسنا بعد زمن طويل لم ننجز في أي مساحة لأننا لم نسمح لعملية تراكم الخبرات والمعارف أن تأخذ مجراها.

وجدنا هذه مقدمة لازمة قبل الحديث عن عملية الانتقال من مجال عمل إلى آخر وما تتطلبه هذه العملية من معارف واختبارات.. منعًا لإهدار الوقت والجهد وتفويت الفرص الجيدة، وتجنبًا للوقوع في العبثية التي تحدثنا عنها.. وفيما يلي نقدم قائمة بمجموعة من الواجبات المعرفية قبل دخول أي مجال جديد أو أخذ خطوة الانتقال المهني أو الـ "Career Shifting"، وقبل استيفاء هذه الواجبات فإن الأمر يقترب من العبثية كلما زاد المجهول.

1- اعرف عن المسار التاريخي:
اعرف عن تاريخ تطور المجال المقصود، كيف بدأ ومتى وعلى يد من.. وكيف سار بعد ذلك وما هي أهم المحطات التي مر بها خلال مسار تطوره ومن هم الفاعلون في هذا المحطات.. أهمية أن تعرف مثل هذه المعلومات هي أنها تمدك بصور تقريبية لمفاتيح إحداث الثورات في هذا المجال، مما يجعلك أكثر تركيزًا خلال مسيرتك فيه بعد ذلك، وأكثر دراية بما يُمَكِّنُك من القفز فيه -وبه- قفزات واسعة نحو تطورات لم تكن في الحسبان.. لتكون لك فيه الريادة والسبق.

2- تأكد من إجادة لعبة الأسماء والمصطلحات المتداولة:
قد تنظر إلى المعرفة بالتسميات والاصطلاحات المتداولة في الأوساط المعنية بمجال ما على أنها نوع من المعارف الشكلية التي يمكن إهمالها طالما أن المضمون موجود ومستقر.. لكن للأسف هذه حساباتك أنت، أما أهل المجال فالمعرفة بهذه الاصطلاحات تعد عندهم معيارًا للإجادة، ولا ينظر بعين الاعتبار لمن يجهلها مهما بلغت درجته العلمية أو مكانته الاجتماعية.. لهذا السبب مثلًا نشاهد حالة الارتباك الحاصلة عند المهندسين التنفيذيين في بداية حياتهم المهنية عند التعامل مع الفنيين والعمال.. العمال يجيدون التلاعب والخداع متى وجدوا فرصة لذلك، ومتى شعروا بأنهم يفوقون المشرف في مساحة ما.. الدرجات العلمية والإدارية ليست اعتبارًا هنا، ولن تفيد معرفة الاصطلاحات العلمية طالما لا تجيد الحديث بلغة الـ"سوق" وأهله.


3- اعرف مدى بعدك عن توقيت البداية المناسب:
بعض المجالات يتطلب البدء فيها عدم مجاوزة حد عمري معين، والبعض الآخر يستحسن فيها ذلك، والبعض لا يدخل العمر فيها إلى المعادلة أصلًا.. ومن المهم أن تعرف هذا الأمر حتى لا تهدر طاقتك قبل معرفة الحدود التي يمكنك أن تبلغها في المجال، فمثلًا: أن تكون لاعب كرة قدم محترفًا هذا يتطلب أن تبدأ مسارك مبكرًا جدًا والأمر يزداد سوءًا كلما تأخرت، وهذا شأن المجالات المعتمدة على النشاط البدني عمومًا.. لذا لا تهمل معرفة النقطة الزمنية الملائمة ومدى قربك منها لتعرف إلى أي نقطة يمكنك الصعود.



4- التحضير قبل الدخول إلى المعمعة:
أغلب المجالات تتطلب تحقق أمور معينة فيمن ينشطون فيها، وليس الحديث هنا عن المتطلبات الورقية أو الإجرائية.. إنما عن المتطلبات الشخصية، فمثلًا في المحاماة لن تجد من يطلب منك إثباتًا ورقيًا يفيد بأنك ماهرٌ في المناورة الكلامية، لكنها مهارة مطلوب تحققها فيك قبل مزاولة هذه المهنة والدخول إلى هذا العالم.. كذلك لا يوجد مستخرج مطلوب من أي جهة لإثبات أنك لست خجولًا إذا أردت دخول أي مجال يتطلب مواجهة الجمهور والتأثير فيهم، لكنك ستعلم أنه يجب عليك التخلص من خجلك إن أردت دخول هذا العالم، وهكذا.. ينبغي عليك أيضًا التفريق بين المهارات المحبذة والمستحسنة، وبين المهارات الواجبة الإلزامية التي يمنع عدم توافرها من مزاولة العمل على وجه سليم.


5- الدراسة النظامية:
إذا أردت أخذ المسار الأكاديمي في هذا المجال، فبأي الكليات ستلتحق؟ وما الذي يتطلبه التحاقك بها؟ وكم عدد سنين الدراسة فيها؟ وأي نظام دراسي هو الأنسب لظروفك؟ .. وفي حال عدم وجود كلية تتصل بهذا المجال اتصالًا مباشرًا، فما هي الكليات القريبة من المجال أو المتقاطعة معه؟ وما هي مساحة هذا التقاطع؟ وإلى أي مدى ستخدمك الدراسة النظامية في هذا المجال؟ .. كلها أسئلة واجبة الطرح على النفس.

6- الدراسة بالخارج، وفرص السفر:
ماذا عن الوصول بالكفاءة الشخصية إلى المعايير العالمية؟ وماذا عن الترقي الأكاديمي في المجال من خلال الدراسة بالخارج؟ .. هل الأمر متاح؟ وإلى أي مدى؟ وما هي أشهر البلاد التي تقدم مؤسساتها التعليمية محتوى ثقيلًا في هذا المجال؟ وما هي هذه المؤسسات؟ وكيف يكون الالتحاق بها؟ وماذا عن الدراسات العليا؟ .. مجموعة جديدة من الأسئلة الجديرة بالطرح.


7- إلى أي مدى ستستهلك؟
إلى أي مدى أنت مستعد لأن يستهلكك المجال؟ هل تنوي التضحية بوقتك وجهدك كله من أجله أم لديك التزامات وأنشطة أخرى؟ .. وإلى أي مدى سيسمح لك المجال بمزاولة أي نشاط معه توازيًا؟ .. يجب أن تعلم أن بعض المجالات مستبدة ولا تقبل الشراكة، والتقدم فيها يتطلب تفرغًا تامًا وتركيزًا شديدًا.. وبعض المجالات يسمح بالشراكة لكن في حدود ضيقة، والبعض يسمح بها في حدود أوسع.. والأمر في النهاية يعتمد على رغبتك، وإجابتك على سؤال: إلى أين تريد أن تصل؟


8- فرص التدريب والتجريب والممارسة:
التجربة هي السبيل الأنجح والأكثر فاعلية في التعلم والتحصيل.. لذا ينبغي قبل دخول طريق المجال أن ترسم خطة واضحة للممارسة والتدرب العملي، وهذا يتطلب منك معرفةً بأماكن التدريب ومساحات التجريب وفرص الممارسة.
 


9- التكامل فرض:
نحن في عصر الانفجار العلمي أو في العصر الذي يتلو الانفجار العلمي بتعبير أدق، وهذا معناه سيولة شديدة في المعارف والعلوم، هذه السيولة جعلت الحدود بين الدوائر المعرفية المختلفة تذوب إلى حد بعيد ولا تكاد تتميز، لذلك أصبح من الجهل أن تمسك خطًا معرفيًا واحدًا وتخلص نفسك له، بل واجب عليك البحث في المساحات القريبة من مجالك والمساحات المتقاطعة معه، واعرف ما هو القدر اللازم تحصيله في كل مساحة من هذه المساحات.. ليحدث لك التكامل المعرفي اللازم لإحراز تقدم حقيقي في مجالك، تذكر دائمًا: علم واحد لا يكفي!

10- كن مواكبًا لكل جديد:
هذا عالم مجنون لا يسير على نسق واحد.. ويتحرك بلا نية للتوقف ويقفز قفزات غير منتظرة ولا متوقعة.. فإن لم تحتفظ بنفسك واعيًا لكل مستجداته سيجاوزك الزمن، لذا احرص دائمًا على وضع قائمتك الشخصية بالمصادر المعرفية المهتمة بمجالاتك سواءً كانت مجلات أو سلاسل كتب مطبوعة أو مواقع إلكترونية أو قنوات فضائية أو حتى مبادرات لها نشاط على الأرض أو غير ذلك، واحرص على متابعتها باستمرار لتضمن وقوفك على نفس الأرضية المعرفية التي يقف عليها خبراء هذا المجال.



11- الفرص:
الفرص أيضًا مجنونة ولا تسير على نسق واحد، لكنها وفية دائمًا للجاهزين.. ولن تتحقق جاهزيتك الكاملة للفرص إلا بمعرفة البيئات التي تتوافر بها.. لا تقحم نفسك في سوق مغلق مهما كنت مجيدًا فيه، ادرس الفرص المحتملة جيدًا لتعرف متى ينبغي عليك الانطلاق، ومتى ينبغي عليك الانتقال، ومتى ينبغي عليك التوقف.

 

12- إذا لم تكن هناك فرصة للانطلاق بمفردك، هل يمكنك الانطلاق معتمدًا؟
بعض المجالات لن يتسنى لك بناء امبراطوريتك الخاصة بها مبكرًا، فلن تستطيع مثلًا بدء مشروعك الخاص فيها إلا بعد الوصول لنقطة معينة لن يكون متاحًا الوصول لها سريعًا.. وهذا سيتطلب منك بداية اعتمادية من خلال التوظيف في شركات أو جهات قائمة بالفعل.. وهنا ينبغي لك أن تدرس هذه الجهات وما هي أشهرها وما هي أفضلها وإلى أي نقطة تريد أن تبلغ فيها وغير ذلك.
 


13- ما العائد؟
من الواجب دائمًا معرفة مآلات الأمور والنظر إليها لتقدير الجدوى والفائدة المنتظرة ومدى تناسبها مع الجهد والوقت المبذول.. وهل سيتحقق من هذه العلاقة الإرضاء اللازم للنفس واحتياجاتها المادية والمعنوية؟ .. ادرس متوسطات الدخل في كل الأعمال الموجودة بالمجال في كل مرحلة من مراحله.. وانظر إلى الفوائد الاعتبارية التي ستعود عليك بعد زمن طويل من الترقي في مراتب العمل في هذا المجال، وغير ذلك.

في النهاية يمكننا الاختتام بالتأكيد على ما بدأنا به: التحرك المدفوع بالرغبة جميل، لكن تعلم دائمًا أن مصادمة الواقع لن تكون في صالحك، وهذا لا يعني أن تسلم له وتخضع، لكن يعني أن تدرسه جيدًا لتغير فيه وتستطيع الانسجام معه بما يحقق لك الإشباع والرضا.