Supply list


في ظل بحثنا الدائم عن خيارات أفضل لمستقبل أبنائنا التعليمي، تصادفنا الكثير من النظم والمناهج التعليمية غير التقليدية، لكن نجد أنفسنا عاجزين عن الحكم عليها أو مقارنتها بغيرها لعدم توفر المعرفة الكافية لدينا عنها، مم تتألف؟ ما هي مستهدفاتها؟ ما هي المخرجات التعليمية والتربوية والسلوكية المنتظرة منها؟ والكثير من الأسئلة الأخرى التي لو تحصلنا على إجاباتها ربما دفعنا ذلك إلى اتباع أحد هذه الأنظمة في تعليم أبنائنا طمعًا في نتائجها الجيدة، وأحد أهم وأكثر هذه الأنظمة شيوعًا هو نظام المونتيسوري، الذي –وعلى الرغم من شيوعه الشديد- لا يزال غامضًا بالنسبة للكثيرين منا، وتحتاج بنيته إلى شرح واف وتوضيح مفصل، لنتمكن من اتخاذ موقفنا منه، وتقرير ما إذا كان نظامًا مناسبًا للأبناء أو لا.

أولًا: طبيعة المونتيسوري:
من المغالطات الكبرى في الحديث عن نظام المونتيسوري اعتباره منهجًا تعليميًا ثابتًا، في حين أن المونتيسوري في حقيقته فلسفة تعليمية، وبالتالي فالكلام عن المونتيسوري ينبغي أن يكون سردًا للأفكار والمنطلقات والتوجهات التي يتبناها، لا عن الأنشطة والأساليب التي يعتمدها، لأن هذه الأنشطة والأساليب قابلة للتغير دائمًا بالنظر إلى الرؤية المرنة للنظام، التي تحتفظ لكل طفل بتفرده وتميزه عن أقرانه في الميول والقدرات، ولا تعمم طريقة ثابتة للتعامل مع الجميع، لذا فإن الكلام عن الأنشطة والأساليب الثابتة قد يتضمن نقضًا للفكرة الأساسية للمونتيسوري التي تتصف بالحركية والمرونة وتراعي الفروقات الفردية.


ثانيًا: نشأة المونتيسوري:
نشأت فلسفة المونتيسوري على يد الطبيبة والمربية الإيطالية د. ماريا مونتيسوري (1870م – 1952م)، وبدأ الأمر بمحاولة منها لفهم الآلية التي يكتسب بها الأطفال المعرفة والمهارات، ليكون فهم هذه الآلية حجر الأساس في بناء وتصميم منهجها التعليمي، وكانت محاولتها في فهم آلية التعلم لدى الأطفال عبارة عن تجارب معايشة طويلة مع أطفال من مراحل عمرية مختلفة، تلاحظ من خلالها التغيرات العقلية والنفسية والسلوكية التي تطرأ عليهم، وترصد طريقة استجابتهم للمؤثرات التعليمية والتربوية المختلفة، لتتمكن في النهاية من اتباع أساليب مختلفة في تعليمهم، وكان التطبيق الأول لفلسفتها التعليمية في مدرسة لذوي الاحتياجات الخاصة أسستها بنفسها وشغلت منصب مديرتها لسنتين، وحققت تجربتها هذه نجاحًا باهرًا مع الأطفال ذوي القدرات الذهنية الخاصة، مما جعلها تسعى إلى تعميم تجربتها على الأطفال ذوي القدرات الذهنية العادية، إيمانًا منها بخطأ الأساليب الشائعة المتبعة لتعليم الأطفال، وضرورة استبدالها بأساليب أكثر فاعلية، كتلك الأساليب التي جربتها هي بنفسها ولمست نتائجها الجيدة.



ثالثًا: عناصر هامة في تكوين فلسفة المونتيسوري:
اتفقنا على أن المونتيسوري هي فلسفة تعليمية وليست منهجًا تعليميًا يتألف من مقررات ثابتة ومعروفة، فما هي ملامح هذه الفلسفة؟ ولماذا هي مختلفة عن المعتاد؟ وما الذي جعلها تنال هذا القدر من النجاح والشهرة في أوساط التربويين وخبراء التعليم؟ أسئلة يجيب عنها السرد التالي لأهم العناصر الداخلة في تكوين فلسفة المونتيسوري.

1- الشمولية والتكاملية:
التعليم ليس عملية منفصلة معزولة عن بقية الأنشطة الحياتية، فالطفل في المراحل التعليمية المبكرة يكون مُسْتَقْبِلًا ممتازًا لكل ما يمر عليه من تجارب حسية وغير حسية، وكل ما يتعرض له من مؤثرات تدخل في تشكيل وجدانه وعقله وسلوكه، وبالتالي ليس من الصواب أن نجعل العملية التعليمية محدودة بأطر زمنية ومكانية ضيقة في اليوم الدراسي بالحضانة أو المدرسة، بل ينبغي جعلها عملية واسعة تشمل كل ما يتعرض له الطفل خلال يومه كاملًا، ومن هنا لا وجود لفصل بين دور المدرسة ودور المنزل في فلسفة المونتيسوري، لأن التعليم في هذه الفلسفة هو تجربة معايشة كاملة تشمل كافة المساحات التي ينشط فيها الطفل، لذا فإن العبء الذي تلقيه فلسفة المونتيسوري على الوالدين في التربية أكبر بكثير من المعتاد، لأنها تتطلب منهما الوعي الشديد بسلوكياتهما تجاه الطفل طوال الوقت، والحرص الشديد في كل ما يتم تعريض الطفل له من مؤثرات، ومراعاة ما يكتسبه الطفل في اللا وعي من قيم وأفكار وطبائع يتم تمريرها إليه من التعاملات اليومية العادية.
كذلك ينظر للطفل في فلسفة المونتيسوري كوحدة واحدة لا ينفصل أحد جوانبها عن الآخر، وبالتالي يكون التعليم الذي يتناول الجانب الذهني أو العقلي فقط لدى الطفل تعليمًا ذا رؤية قاصرة ومحدودة، والصواب –بحسب هذه الفلسفة- أن يكون التعليم عملية تنمية شاملة للطفل في الجانب النفسي (السيكولوجي) والعقلي (الذهني) والروحي (القيمي) والجسدي (الحركي)، وبدون العمل المتكامل على هذه الجوانب جميعها تظل العملية التعليمية دون الكفاءة المطلوبة في تحقيق أهدافها.


2- اعتماد الأنشطة التفاعلية كبديل للتلقين النظري:
في فلسفة المونتيسوري لا وجود للفصل أيضًا في العملية التعليمية بين دور المعلم والمتعلم، فكلاهما شريك فاعل في هذه العملية، ولن تنجز أهدافها بالكفاءة المطلوبة إلا إذا تحققت هذه الشراكة كما ينبغي، لذلك تستبعد هذه الفلسفة طريقة التلقين النظري الجاف، وتعتمد بدلًا منها طريقة الأنشطة التعليمية التفاعلية.

3- الفردية:
كل طفل لديه ما يمتاز به عن أقرانه من القدرات والميول، والمناهج التعليمية المعممة غالبًا لا تراعي هذا الاختلاف بالقدر الكافي، لذلك نجد الكثير من الأطفال عرضة لمواجهة صعوبات كبيرة في الرحلة التعليمية، مما قد يؤثر على حياتهم النفسية والاجتماعية بالسلب، وعلى العكس من ذلك تحترم فلسفة المونتيسوري هذه الاختلافات وتراعيها أشد المراعاة في كافة مراحل العملية التعليمية، لذا يمكننا القول أن فلسفة المونتيسوري تسعى إلى تصميم منهج تعليمي خاص بكل طفل وحده، يناسب اهتماماته وميوله وقدراته ومواهبه الخاصة.

4- تعزيز الثقة:
في المراحل العمرية المبكرة يعتمد بناء شخصية الطفل بشكل كبير على ثقته بنفسه التي تدفعه إلى التفاعل بحرية وشجاعة، لذلك فإن إضعاف هذه الشخصية قد يعطل المسيرة التعليمية للطفل مهما بلغت قدراته وملكاته، لهذا السبب نجد تصميم أنشطة المونتيسوري دائمًا أنشطة تحتمل العديد من المواقف والإجابات ولا تعتمد على ثنائية الخطأ والصواب وفقط، وذلك لإطلاق القدرات الإبداعية لدى الطفل وتشجيعه على اتخاذ موقفه وتكوين رأيه الخاص من ناحية، ومن ناحية أخرى لتعزيز ثقة الطفل بنفسه عن طريق تفادي وضع الطفل في مواجهة دائمة مع ثنائية الصواب والخطأ، والتي تجعله يخاف من التفاعل والمشاركة.

5- الدمج بين المراحل العمرية:
بحسب فلسفة المونتيسوري من المهم أن لا يعتاد الطفل التفاعل فقط مع من هم في نفس عمره، بل من الضروري التفاعل كذلك مع من يكبرونه أو يصغرونه قليلًا، ليكتسب الجرأة والثقة وقابلية الانفتاح على الآخر بالتعامل مع من يكبرونه، ويكتسب العطف وقيمة رعاية ومساعدة الآخرين بالتعامل مع من يصغرونه، لذا تجد في نفس الفصل الدراسي لمؤسسة تعليمية تطبق فلسفة المونتيسوري تفاوتًا في أعمار الطلبة الذين يتشاركون نفس التجربة التعليمية، مع مراعاة أن تكون الفروقات العمرية متقاربة بالطبع حتى لا تكون هناك فجوة تمنع من التفاعل بالصورة المطلوبة، وتُقَسَّم المراحل العمرية في فلسفة المونتيسوري وفق التفصيل التالي:
المرحلة الأولى: من 1 إلى 6 سنوات.
المرحلة الثانية: من 6 إلى 12 سنة.
المرحلة الثالثة: من 12 إلى 18 سنة.
المرحلة الرابعة: من 18 إلى 24 سنة.
ولكل مرحلة من هذه المراحل خصائصها التي تستدعي وضع برنامج معين من الأنشطة التعليمية التي تتماشى مع هذه الخصائص وتناسبها.

6- الموازنة بين الخيال والواقع:
فلسفة المونتيسوري تحفز طاقات الخيال والإبداع لدى الطفل إلى حد بعيد، لكنها مع ذلك تحترم عقل الطفل ولا تفرط في استخدام الخيال إلى الدرجة التي تشكل انحرافًا في تصور الطفل للأشياء وتجعله يعلق تفكيره وعواطفه بأشياء غير واقعية ويوجه سلوكه بمجموعة من الأوهام.




رابعًا: بعض التطبيقات لفلسفة المونتيسوري:

لاستكمال رحلتنا في التعرف على فلسفة المونتيسوري نعرض بعض تطبيقاتها في المؤسسات التعليمية التي تتبناها.

1- توظيف كافة الحواس في التعلم:
قلنا أن من خصائص فلسفة المونتيسوري الشمولية والتكاملية، وكتطبيق لهذا المبدأ نجد الأنشطة التعليمية كلها مصممة بحيث توظف أكبر عدد من حواس الطفل في النشاط الواحد، فمثلًا: في تعليم الكتابة يرسم الطالب الحرف بأحد أصابعه مباشرة لا بواسطة القلم، وذلك بوضع هذا الأصبع في صبغة لونية مثلًا ثم تنفيذ شكل الحرف بهذا الأصبع الملون على ورقة بيضاء، ويحرص الأستاذ على نطق الحرف في كل مرة يقوم الطفل برسمه ليربط الطفل بين الشكل وبين الاسم والنطق، وهكذا.

2- الملاحظة هي الأساس:
قلنا أيضًا أن مراعاة الاختلافات الفردية هي أحد العناصر الهامة التي قامت عليها فلسفة المونتيسوري، ونجد انعكاس ذلك في جعل الملاحظة والرصد هي أهم أدوار المعلم قبل التوجيه والإرشاد، لأن الملاحظة الدقيقة لسلوك كل طفل تعطي للمعلم صورة مقربة عما يميز هذا الطفل من إمكانات وقدرات، وما يتفرد به من ميول ورغبات، فيأتي التوجيه بعد ذلك مراعيًا لحالة كل طفل بصورة مستقلة، لذلك نجد في فصول المونتيسوري أوقاتًا كثيرة لا يقوم فيها المعلم بأي نشاط توجيهي مع الأطفال، بل يجلس فقط لمتابعتهم والتعرف عليهم بصورة أوضح وأكثر تفصيلًا، ثم يأتي بعد ذلك دوره كمرشد أو موجه، لا كملقن.

3- الطفل كمصدر للمادة التعليمية:
كتطبيق لتعزيز الثقة يتم تصميم بعض أنشطة المونتيسوري بشكل مليء بالفجوات، بحيث تسمح هذه الفجوات للطفل بأن يملأها بنفسه، كنوع من المشاركة في وضع المادة التعليمية، وكمثال على ذلك: يقوم المدرس بتأليف جزء صغير من قصة خيالية، ثم يجعل الطلاب يتناوبون على تأليف أجزاء أخرى لإكمال القصة، مع توجيه هذه العملية لتتضمن بعض المعلومات المفيدة لهم كبعض العمليات الحسابية الصغيرة أو بعض الحقائق العلمية البسيطة، فيكون الناتج من هذه القصة: معلومات جديدة، مع مشاركة في صنعها من قبل الطلاب.

4- الطفل كأداة تعليمية:
كذلك قلنا أن فلسفة المونتيسوري تعتمد تقسيمًا مختلفًا للمراحل العمرية، هذا التقسيم يخلق فرصًا لمشاركة الطلاب في تعليم بعضهم البعض، لتعزيز روح التعاون بينهم، ولتدعيم ثقتهم بأنفسهم، ولتثبيت المعلومات لديهم بصورة أفضل، كما أن ذلك يحسن من استقبال الأطفال للمعلومات، لأن الذي يمدهم بها طفل مثلهم في مقام الصديق أو الزميل، وليس أستاذًا يلقنهم المعلومات بصورة صعبة أو بأساليب منفرة.

5- مشاركة الآباء:
لأن تجربة تعليم المونتيسوري هي تجربة معايشة كاملة وفق ما شرحنا؛ يتم توزيع الأنشطة التعليمية على المنزل والمدرسة (أو الحضانة) معًا، أي أن ولي الأمر شريك أساسي في المنظومة التعليمية للطفل، بصورة شديدة التركيز في السنوات الثلاث الأولى، ثم يقل هذا التركيز تدريجيًا في المراحل العمرية اللاحقة، مع دخول الأنشطة الفردية التي يمكن للطفل أن يعتمد فيها على نفسه كليًا ويقتصر دور ولي الأمر حينها على المتابعة والرصد فقط.


والآن: هل اتضحت الصورة لديكم بقدر كافٍ؟ أم لا زالت لديكم بعض الأسئلة تخص هذا الموضوع بحاجة إلى إجابات أكثر تفصيلًا ووضوحًا؟ شاركونا استفساراتكم.