Supply list

تقف وراء التعليم المدرسي حشودٌ ضخمةٌ من الخبراء التعليميين والتربويين، وحصيلةٌ متراكمةٌ من الخبرات الإنسانية في المجال التعليمي، بما يُكْسِبُ هذا النوع من التعليم موثوقية أكبر، ويجعله الاختيار الطبيعي والمثالي للجميع، فلماذا إذًا قد يرغب أحد في استبدال هذا النظام المحكم المنضبط بنظام آخر يتسم بالعشوائية ولا يخضع لرقابة أو توجيه من خبير أو متخصص، ويحمِّله أعباء المتابعة والإشراف والتوجيه والتدريس والتدريب!
لماذا قد يتعامل البعض مع التعليم المدرسي على أنه مصيدة يجب الفرار منها والنجاة بالأبناء من أذرعها وتفضيل تحمُّل أعباء تعليمهم منزليًا على إلحاقهم بالمنظومة التعليمية الرسمية الحديثة!
والحقيقة أن أولياء الأمور الذين يتخذون مثل هذا القرار لا يريدون زيادة أعباءهم هكذا حبًا في الانضغاط أو بحثًا عن المتاعب، بل إن وراء هذا التوجه أسبابًا منطقية بالطبع، قد نختلف مع موقف أصحابها، لكن ذلك لا يمنعنا من التسليم بوجاهة هذه الأسباب، وضرورة النظر إليها بعين الاعتبار، والبناء عليها كذلك في اتخاذ إجراءات تطويرية لمنظومة التعليم الرسمي من حيث الفلسفة والمخرجات ليحقق الأهداف الضرورية التي يفتقدها البعض.

ومن أهم الأسباب الدافعة لتفضيل التعليم المنزلي عند من اختاروه:

1- التنميط وعدم مراعاة الفروقات الفردية:
يرى الفريق المؤيد للتعليم المنزلي أن التعليم المدرسي هو تعليم تنميطي لا يراعي الاختلافات الفردية بين الأطفال، وبالتالي هو يطمس هوية كل طفل ويضعف استقلاليته وشعوره بذاته ويقلل من فرص تميزه، وذلك لأنه يفرض أسلوبًا واحدًا ونظامًا صارمًا صلبًا يشمل الجميع ويتبع معهم نفس الطريقة والمنهجية، بما يحجم الإبداع ويثبط القدرات الخاصة ويمحو نقاط التميز.

2- التقيد بوقت ومكان محدد:
في التعليم المدرسي هناك أوقات موسمية ثابتة ومحددة لبداية العام الدراسي ونهايته، وأوقات يومية محددة لبداية اليوم الدراسي ونهايته، كذلك هناك أماكن ثابتة للدراسة يقصدها الطلاب يوميًا خلال العام الدراسي ليتلقوا دروسهم بها، وهذا الوضع لا يراعي استعداد الطالب للتعلم، هو يفرض عليه تلقي العلم في وقت محدد بغض النظر عن حالته الذهنية والنفسية في هذا الوقت، والتي قد تكون مانعة من تحقيق الاستفادة، ويفرض عليه كذلك الحضور في مكان محدد بقطع النظر عما يستهلكه الذهاب إليه من الجهد والوقت.


3- البيئة الاجتماعية غير الصحية:
نظرًا للتعميم الذي تفرضه النظم المدرسية يكتسب الطلاب (وحتى الأساتذة) أدوات متعددة لممارسة التنمر والتمييز على أسس عنصرية بسبب الشكل أو الوزن أو الهيئة أو المستوى الاجتماعي أو غير ذلك، فالبيئة المدرسية بيئة خصبة لنشوء وظهور ونمو مثل هذه السلوكيات، ومن المعلوم أن كثرة تعرض الطفل في مراحله العمرية الأولى لمثل هذه السلوكيات مع عدم وعي والديه بكيفية التعامل مع هذا الوضع قد يضعف كثيرًا من ثقة الطفل بنفسه مبكرًا ويسبب له العديد من المشاكل النفسية والسلوكية لاحقًا، لذا قد يفضل بعض أولياء الأمر التعليم المنزلي ليجنبوا أبناءهم هذا الوضع.



اقرأ أيضًا: تحديات المدرسة: كيف نساعد أبناءنا في التغلب عليها؟


4- التعرض للضغط النفسي:
التعليم المدرسي يضع الطفل منذ عمر مبكر تحت ضغط مكثف، فالطفل مطالب بإنجاز الواجبات والفروض المدرسية، ومطالب باستيعاب كم ضخم من المعارف والمعلومات التي قد لا يتناسب بعضها مع اهتماماته وميوله أو حتى مرحلته العمرية، ومطالب كذلك بالأداء الجيد في الاختبارات والتقييمات التي يتعرض لها على مدار السنة الدراسية، هذا كله يجعل الطفل في حالة انضغاط مستمر على كافة الجوانب: الذهنية والنفسية والبدنية، وهذا الضغط المبكر لا يتناسب أبدًا مع طبيعة مرحلة الطفولة التي ينبغي أن ينال فيها الطفل القدر الكافي من التسلية والمرح حتى لا تتجرّف عواطفه ويتحول فيما بعد إلى إنسان مضطرب المشاعر والانفعالات.

5- أساليب التقييم المتعسفة:
الامتحانات تقيس مدى قدرة الطالب على الصمود أمام الضغوط وعلى قراءة الحالة الذهنية لواضعي الامتحانات ومصححيها، ولا تقيس أبدًا قدرات الفهم والاستيعاب لديه، هكذا يرى أنصار التعليم المنزلي، ويرون كذلك أن هذه الأساليب التعسفية والخاطئة في تقييم المستوى قد تعزز من القناعات السلبية لبعض الطلاب عن أنفسهم، فيعتقد الطالب عن نفسه الغباء والفشل، فقط لأنه لم ينجح في الوصول إلى مراتب متقدمة في نظام تقييم خاطئ!

6- اختلاف القيم الأخلاقية أو الدينية:
يرى بعض أولياء الأمور أن القيم الأخلاقية والدينية التي يريدون غرسها في وجدان أبنائهم تهتز بشدة في بيئة التعليم المدرسي، إما لاختلاف القيم والمبادئ التي تتبناها المؤسسات التعليمية، أو لفساد البيئة التعليمية نفسها، وبالتالي يدفعهم هذا إلى تفضيل التعليم المنزلي لأن تواجد الأبناء بالقرب منهم وتحت أعينهم سيسمح لهم بغرس ما يريدون من قيم دون أن تنازعها أو تصادمها أي مصادر أخرى.




اقرأ أيضًا: قبل دخول المدرسة: أخطاء تربوية تعطل مسيرة أبنائنا!


7- ضعف المخرجات التعليمية:
بعد أن ينهي الطالب رحلته التعليمية الطويلة المكلفة المهرقة، هل يكون الناتج النهائي مرضيًا أو مناسبًا لمتطلبات العصر؟ يجيب من يفضلون التعليم المنزلي عن هذا السؤال بالنفي، الطالب يرهق نفسه بدنيًا وذهنيًا، ويرهق أهله ماديًا وتربويًا، ويستهلك زهرة شبابه وذروة نشاطه من عمره في رحلته التعليمية، فهل يستحق المقابل كل هذا؟ يتخرج الطالب من التعليم وهو مفتقد لأبسط أدوات التفكير والتصرف السليم، ويبدأ من الصفر في تحصيل المتطلبات المهنية والمهارات الحياتية التي لم يحصلها طوال رحلته التعليمية! من الأجدى إذًا أن نختصر على أنفسنا وعلى أبنائنا هذا الطريق، ونلحقهم بمنظومة تعليمية تكسبهم بالفعل ما يحتاجون إليه من معارف ومهارات، لذا يكون التعليم المنزلي بالنسبة لهؤلاء الخيار الأنفع والأكثر توفيرًا للوقت والجهد.



اقرأ أيضًا: لاختيار المدرسة الأنسب: 6 معايير ضعها في اعتبارك!


بالطبع يقف الرأي المضاد المناصر للتعليم المدرسي على باقة أخرى من الأسباب والدوافع والرؤى المناقضة لما يتبناه أنصار التعليم المنزلي، لكنها معروفة بحكم الانتشار والشيوع، وبحكم أن التعليم المدرسي هو السبيل الأوحد المعترف به رسميًا في تحديد الأهلية العلمية والمهنية، لكن على كل حال: سنشير إليها في مقال لاحق نعقد فيه مقارنة متوازنة بين النظامين التعليميين: المدرسي والمنزلي، ليتسنى للجميع رؤية الصورة بوضوح أكبر، تابعونا، ولا تترددوا في مشاركتنا آراءكم بخصوص هذا الموضوع والموضوعات الأخرى التي نناقشها في مدونتنا.