Supply list

في سوق تعليمي مزدحم بالكثير من النظم التعليمية التي –على تنوعها- قد لا تتلاقى مع رغبات أولياء الأمور لأبنائهم، ولا ترتقي لآمالهم وطموحاتهم من حيث البنية ومن حيث المخرجات؛ ظهر "التعليم المنزلي" أو الـ"Home Schooling" واكتسب الكثير من الأنصار في وقت قليل نسبيًا، ولعب لمن اختاروه دور المُخَلِّص من التعليم النظامي كثير العيوب ومتعدد المخاطر، تَبِعَ هذا بالطبع ظهور الكثير من الأصوات المعارضة، التي تعدد ما فيه من عيوب، وتتحدث عما سيؤدي إليه من المشاكل، وبين هذين الفريقين يقف فريق ثالث من أولياء الأمور في حيرة من أمرهم لا يدرون أي الاختيارين أنسب لأبنائهم، لذا عقدنا هذه المقارنة السريعة بينهما لعل ذلك يفيد في مواجهة هذه الحيرة، ويوفر معطيات أكثر لاختيار ناضج وسهل في ذات الوقت.

أولًا: تعريفات:
قبل أن نبدأ في عقد المقارنة بين الأسلوبين التعليميين: المدرسي والمنزلي، نجد من الواجب الاتفاق أولًا على تعريف واضح لكل منهما، لتكون المقارنة بينهما أكثر موضوعية.

التعليم المدرسي:
التعليم المدرسي أو المؤسسي هو ذلك النوع من التعليم الذي يتلقى فيه الطالب تعليمه في مؤسسة تعليمية، فيدرج اسمه على قوائم الطلاب المنتسبين لها، ويلتزم بالمنهج المقرر له من أساتذتها أو الخبراء المشرفين عليها، ويخضع لأساليب التدريس بها، ويترقى في المراحل التعليمية المختلفة وفق مسار ثابت أعد مسبقًا بآليات محددة للاختبار والتقييم، وهذا النوع هو المعروف الشائع، والمطبق في كافة المؤسسات التعليمية الرسمية من دور للحضانة ومدارس وجامعات.

التعليم المنزلي:
أما التعليم المنزلي فهو ذلك النوع من التعليم الذي يتم في المنزل تحت إشراف ولي الأمر دون حاجة للذهاب إلى مكان ثابت للدراسة أو المتابعة، ومن غير أن يتقيد الطالب بالمناهج والمقررات المدرسية المعتمدة.


ثانيًا: أوجه المقارنة:

1- الاعتماد والاعتراف الرسمي:
هذه هي أكثر النقاط التي يعول عليها أنصار التعليم المدرسي (النظامي) في رفضهم للتعليم المنزلي واعتباره مظهرًا من مظاهر الفوضى، إذ أن التعليم النظامي أو المدرسي هو تعليم محدد المسار وواضح الملامح ويحظى بالاعتراف والاعتماد الرسمي من المؤسسات التعليمية المحلية والدولية، على العكس من التعليم المنزلي الأهلي، الذي يحرم الطالب من الاعتراف بمؤهلاته المعرفية والمهارية مهما بلغت، لأن مستواه غير موثق بوثيقة رسمية من جهة تعليمية معتمدة، وبالتالي فهو أمام كافة المؤسسات والهيئات والجهات الرسمية إنسان غير متعلم، لأنه لا يحمل شهادة توثق ما يمتلك من المعرفة والمهارة، مع ما يستتبعه هذا من تعقيدات كثيرة في شبكة إجراءات استخراج الوثائق الورقية الرسمية كلها، في الحصول على تأشيرات السفر مثلًا، وتحديد الموقف من التجنيد بالنسبة للذكور، وغير ذلك.

وفي حيلة بسيطة لتجاوز صعوبات ومشاكل الاعتماد الرسمي أمسك أنصار التعليم المنزلي بالعصا من منتصفها للجمع بين ميزات النظامين، وذلك بإلحاق أبنائهم بمدارس لا تشترط الحضور اليومي، وتقتصر علاقتهم بهذه المدارس فقط على حضور الامتحانات النهائية للحصول على الوثيقة الرسمية التي تفيد إتمامهم للمراحل التعليمية المختلفة، وبالتوازي مع ذلك يتم تعليمهم منزليًا طوال الوقت بالصورة التي يرتضيها أولياء الأمور ويرونها مناسبة لأبنائهم.


2- التفاعل الاجتماعي:
أيضًا من الأمور التي يعول عليها أنصار التعليم المدرسي في دعم موقفهم أن المدرسة قبل أن تكون بيئة تعليمية هي بيئة اجتماعية بالأساس، يكتسب الطفل من خلالها القدرة على التفاعل الاجتماعي وينشئ بها الصداقات ويتعرض فيها للمواقف المختلفة مع الزملاء والأساتذة والمشرفين وغير ذلك، ولا يتيح التعليم المنزلي له نفس الفرصة، بل إن الطفل قد يُخْشَى عليه من الانطوائية والانغلاق الاجتماعي نتيجة لعدم وجود مساحات ينشط فيها اجتماعيًا، بحسب رؤية المعارضين للتعليم المنزلي بالطبع.

لكن المناصرين للتعليم المنزلي يرون أن هذه المشكلة محض وهم، لأن التعليم المنزلي لا يعني أبدًا تحويل الطالب لكائن منزلي لا يحتك اجتماعيًا ولا يمارس أي أنشطة خارج دائرة الأسرة، بل العكس من ذلك، ينظر التعليم المنزلي إلى العملية التعليمية نظرة شمولية كلية، فلا يفرق بين النشاط الرياضي وبين التعليم، ولا يفرق بين الأنشطة الترفيهية والتعليم، بل كلها أنشطة تتقاطع جميعًا فيما بينها وتشارك في بناء الشخصية من كافة النواحي: الذهنية والجسدية والنفسية، لذلك يعتني التعليم المنزلي دائمًا بخلق مساحات متعددة للتفاعل خارج الإطار التعليمي الجاف، وبالتالي يمكن الاستعاضة عن المدرسة كبيئة اجتماعية بالأندية الرياضية أو المراكز الثقافية أو مؤسسات العمل العام أو غير ذلك من دوائر التفاعل الاجتماعي.


3- التحرك في إطار رؤية مجتمعية موحدة:
التعليم المدرسي مشروع قومي يتم تحت إشراف القيادة السياسية بالدولة ويتضمن محتواه العديد من القيم والأهداف الوطنية القومية التي تدعم وحدة المجتمع وتُشَكِّل وعيَه الجمعي بصورة تضمن التوافق والاتحاد بين الطوائف المختلفة على رؤى وأهداف محددة، أما التعليم المنزلي فهو باب واسع لخلق جزر منفصلة معرفيًا وقيميًا وسلوكيًا عن المجتمع، فكل أسرة ستكون لديها الفرصة لتربية أبنائها على ما ترتضيه من قيم وأهداف حتى لو كانت هذه القيم والأهداف غير منضبطة ولا تصب في صالح التماسك المجتمعي وتتنافى مع أبسط قواعد الإنسانية أو المواطنة، بما قد يؤدي إليه هذا الوضع من انتشار لأفكار منحرفة أو رافضة للتعايش والاندماج.

ويرد أنصار التعليم المنزلي على ذلك بأن السلطة التربوية للأبوين هي أكبر وأقوى السلطات في كل الأحوال، سواء كان الطفل يتلقى تعليمه في المدرسة أو في المنزل أو في أي مكان آخر، والتعليم المدرسي لا يعالج إطلاقًا مشكلات الانحراف الفكري التي تنعكس على التربية، بل على العكس، قد يزيد من حدتها وآثارها نظرًا لوجود بيئة للتفاعل، وبناء على ذلك: علاج مشكلات الانحراف الفكري طريقه رفع الوعي المجتمعي وزيادة منافذ التثقيف والتنوير، لأن موضوع المشكلة هو أولياء الأمور الذين يشرفون على عملية التربية ويساهمون فيها بالقدر الأكبر، وليس النظام التعليمي.

4- القدرة على الالتزام والإنجاز:
التعليم المنزلي لا وجود فيه لإلزام من أي نوع، الأمور كلها متروكة لتدبير الوالدين، وموازنتهما بين انشغالاتهما والتزاماتهما وبين القيام بمهمة الإشراف على تعليم الأبناء على وجهها الأكمل، وبالتالي تغيب عن التعليم المنزلي بعض العناصر المهمة ليتحقق التقدم في العملية التعليمية بثبات واستدامة، بعكس التعليم المدرسي الذي يرسم خطة واضحة لمسار الطالب في مراحله العمرية المختلفة، وبالتالي يلزمه بالتحصيل بمعدلات ثابتة، وهذا يضمن سرعة الإنجاز واستدامة التحصيل.

لكن أنصار التعليم المنزلي يختلفون مع فلسفة الإنجاز التي يتبناها التعليم المدرسي أصلًا، فهم لا ينظرون إلى التعليم كعملية تحصيلية كمية، بل ينظرون إليها باعتبارها عملية اكتساب للمَلَكَات وتنمية للقدرات وتدريب على المهارات، وبالتالي يعلمون أبناءهم عن طريق التوجيه والإرشاد، لا عن طريق التلقين والإلزام، لذلك لا يلتفتون إلى الأوضاع الكمية بقدر ما يلتفتون إلى نوعية وكيفية التحصيل.


 5- القدرة على قياس التقدم:
في التعليم المدرسي هناك آليات واضحة للتقييم وقياس تقدم الطالب معرفيًا، هناك الامتحانات الدورية، والامتحانات النهائية على رأس كل فصل دراسي، وهناك الدرجات المخصصة للالتزام، ودرجات الأنشطة، وغير ذلك، كل شيء معروف بالأرقام، وإذا أردت تقريرًا مفصلًا عن مستوى الطالب في المواد المختلفة يكفيك فقط الاطلاع على بيان درجاته أو كراسة المتابعة الخاصة به، أما في التعليم المنزلي فالأمور غير منضبطة من هذه الناحية، فلا وجود لأي آلية لقياس مستوى الطالب واختبار مدى تقدمه في مساره التعليمي.

ويرد أنصار التعليم المنزلي على هذا الأمر بأن أساليب وآليات التقييم التي يتبعها التعليم المدرسي سيئة من وجهين، الأول: أنها تضع الطالب تحت ضغط نفسي كبير طوال الوقت، فتجعله في رهبة دائمة من التعلم، ويصير التعلم ثقيلًا على نفسه نتيجة لهذا الوضع.
والثاني: أن دلالات الأرقام والدرجات قد تكون خاطئة أو متعسفة! لأن المشكلة قد لا تكون في إجابة الطالب على السؤال الذي تم توجيهه له، بقدر ما قد تكون في طريقة السؤال نفسه، أو في طبيعته، فالكثير من أسئلة امتحانات التعليم المدرسي تختبر الحفظ الأعمى عند الطالب ولا تختبر استيعابه أو قدراته، كذلك قد تصاغ هذه الأسئلة بطريقة غير واضحة أو غير مفهومة أو تحتمل أكثر من وجه، ثم يحاسب الطالب على إجاباته المخالفة لنموذج الإجابة الذي لا يراعي عادةً تعدد الإجابات وكثرة الاحتمالات!
وعلى هذا يرى أنصار التعليم المنزلي أن عملية التقييم في التعليم المدرسي هي عملية غير منضبطة وقد تتسبب في أضرار نفسية وذهنية للطالب لتصنيفاتها المتعسفة، وبالتالي ليس هناك أي أهمية لعملية تقييم من هذا النوع، وقياس التقدم في المستوى تحدده أمور أخرى أهم مثل الثقة بالنفس والقدرة على التفاعل مع الناس والانخراط في الأنشطة المختلفة والمرونة الذهنية والثبات النفسي والهدوء في التعامل مع المواقف والقابلية العالية للاستيعاب واتخاذ القرارات، وغير ذلك من الأمور التي تعد مؤشرات أكثر أهمية للتعبير عن نجاح العملية التعليمية ومدى إيجابية تأثيرها.




اقرأ أيضًا: التعليم المنزلي: أسباب الظهور والانتشار وكسب الدعم!




6- التنميط:
أكثر ما يحمل أنصار التعليم المنزلي على رفض التعليم المدرسي فلسفة التنميط التي يتبناها، والتنميط يعني إرساء نموذج عام يتم تطبيقه على كافة الطلاب دون مراعاة الفروق الفردية بينهم في القدرات الذهنية والمهارية والحالة النفسية، وبالتالي يقل احترام الرغبات والاهتمامات الشخصية لصالح الاندماج في النموذج النمطي العام، وتموت المواهب أو تتعطل لعدم وجود فرصة لرصدها والعمل على تنميتها، وهكذا.
ويرى أنصار التعليم المدرسي أن النموذج الموحد هام لأن النجاح في الحياة العملية يتطلب امتلاك بعض المهارات والمعارف الرئيسية، وبدونها لا يستطيع الإنسان إحراز أي تقدم، وبالتالي يعد النموذج الموحد في التعليم المدرسي سبيل تحقيق الضروريات واكتساب الأساسيات، ويأتي الاستثمار في القدرات والمهارات الشخصية بعد هذا التأسيس.
  

7- الفصل الذهني بين التعلم والحياة:
من أكبر مساوئ التعليم المدرسي في نظر أنصار التعليم المنزلي: الفصل النفسي والذهني الذي يحدث عند الأطفال بين التعلم وبين بقية الأنشطة الحياتية، فهو يحصر عملية التعلم في الإطار المدرسي، وبالتالي يتحول التعلم مع الوقت من كونه إشباعًا للرغبة الفطرية في البحث والمعرفة إلى كونه عملية اعتيادية رتيبة تتم في إطار محدد لاجتياز التقييمات بنجاح، وهذا ما يحاربه التعليم المنزلي، بدعم التعلم الفطري والتعلم الذاتي، ودمج عملية التعلم بالأنشطة اليومية الاعتيادية، ليتعامل معه الطفل باعتباره حاجة إنسانية رئيسية لا باعتباره مسارًا موازيًا لأحداث الحياة.



8- التربية القيمية والدينية:
التعليم المدرسي بحسب رؤية أنصار التعليم المنزلي هو عملية حشو معلوماتي جافة، لا تراعي الجانب القيمي أو الديني في اكتساب المعرفة، وهو الجانب الذي يضبط هذه المعرفة ويوجهها فيما بعد توجيهًا صحيحًا، فتكون معرفة نافعة للفرد والمجتمع، بل على العكس: قد يغرس التنافس غير الصحي في التعلم المدرسي قيمًا سلبية في نفوس الطلاب، فينشئ ظواهر ذميمة كالغش والاحتيال والأنانية وعدم احترام مجهودات الغير، وغير ذلك، وبالتالي يجد هذا الفريق في التعليم المنزلي فرصة مثالية لجعل عملية التعليم منضبطة قيميًا، بالإشراف المباشر من الوالدين على كل أجزائها ومراحلها.


9- التكلفة المادية:
كذلك يرى أنصار التعليم المنزلي أن التعليم المدرسي عملية مكلفة جدًا من الناحية المادية، في مقابل جودة متدنية أو متوسطة في أحسن الأحوال، وبالإمكان توفير هذه التكلفة العالية أو إعادة توجيهها في تعليم ذي جودة أعلى وأفضل.

10- الانخراط في الحياة العملية:
التعليم المدرسي يجعل بدء الحياة العملية مرهونًا بإتمام الرحلة التعليمية الطويلة، أما التعليم المنزلي فهو لا يعترف أصلًا بالتقسيمات الجافة لمراحل الحياة، وبالتالي يشجع بدء الحياة العملية مبكرًا لتكوين حصيلة أكبر من التجارب الحياتية المفيدة، واكتساب الخبرات في وقت مبكر، وعدم انتظار بلوغ منتصف العشرينات من العمر لبدء استكشاف الحياة!


كانت هذه مقارنة سريعة بين التعليمين: المدرسي والمنزلي، بحسب رؤية أنصار كل نوع، أيهما يمتلك وجهة نظر أصوب برأيكم؟ وهل من حلول وسط للجمع بين ميزات هذين النوعين؟ شاركونا آراءكم.