نظرية "مش فارقة" و "اشطة أي حاجة" قد يُقْبل العمل بها عند سؤالك عن الطعام الذي ترغب في تناوله اليوم أو مكان قضاء السهرة مع الأصدقاء أو لون فرشاة أسنانك.. لكن الأمر لا ينبغي أن يكون بنفس البساطة عند مواجهة اختيارات ستستهلك من عمرك ومن طاقتك الذهنية والنفسية قدرًا كبيرًا، وربما كَتَبَتْ عليك السير في طريق مخصوص بقية حياتك!

مشكلة الاختيارات المهمة لا تكمن في أهميتها وحجمها وتأثيرها بقدر ما تكمن في مدى جاهزية وأهلية من يختار.. نحن لم نتعود أبدًا أن نختار، وبالتالي فنحن لا نعرف كيف نختار، والأسهل دائمًا –والحال هكذا- أن ندع غيرنا يختار لنا لنُحَمِّله مسؤولية سوء الاختيار إن تبدى لنا فيما بعد.. ومن ثم نجد الكثير منا على الحقيقة يعيش حياة مستعارة، بمعنى أنه ليس له منها شيء، وإنما هي حياة تتألف من رغبات وأحلام ورؤى وضغوط الغير!

ترتيب رغباتك في ورقة التنسيق ليس نهاية العالم، نحن نعلم هذا جيدًا.. لكن نحن نعلم أيضًا أن اختيارك سيسلمك لالتزام بأوقات تواجد وحضور وتحصيل وشراء أدوات والانخراط في مجتمعات معينة وما إلى ذلك.. لذلك فالاختيار وإن لم يكن فارقًا في مسار حياتك فيما بعد فإنه على الأقل سيشغلك لفترة من العمر أنت أحوج ما تكون فيها إلى التفرغ لبناء أحلامك والسعي في تحقيقها دون أدنى شاغل عنها أو مزاحم لها.. وبالتالي فأهمية الاختيار تأتي من هذا الباب: أن تختصر الطرق على نفسك، لتصل بسرعة أكبر، وسهولة أكثر.. وفيما يلي سنحاول الإشارة إلى بعض الأمور التي ينبغي وضعها في الاعتبار عند اختيار جهة ومجال دراستك الجامعية.

الأساس:
دعنا نقول أن الرغبة ينبغي أن تكون هي نقطة الانطلاق، إن وجدت الرغبة في التخصص بمجال معين فإن الأمر محسوم ولن نتحدث في غير كيفية تحقيق هذه الرغبة ومتابعتها.. لكن في حال فقد رغبة حقيقية هنا تكون المشكلة، ويتطلب الأمر سرد بعض المرجحات العامة التي تجعلك تستطيع الاختيار على أساسٍ ما بدلًا عن العشوائية المطلقة.. لكن قبل التوسع في الحديث ينبغي لنا أولًا الإجابة على سؤال مهم: كيف نتحقق من رغباتنا ونختبرها؟

اختبار الرغبة والتحقق منها:
يجب أولًا أن نتعلم أننا في حياة متغيرة، وأن إدراكنا يتغير بتغير تجاربنا، وأنه مع تغير إدراكنا تتغير رغباتنا، وأن اختيارات اليوم قد لا تناسب نفسية الغد.. معرفتنا بهذه الحقيقة تجعلنا أكثر راحةً عند الاختيار، وأكثر تحللًا من فكرة الالتزام الأبدي، وأكثر هدوءًا واتزانًا عندما يتبين لنا مستقبلًا أنه يجب علينا التغيير!

أما عن كيفية التحقق من الرغبة (الآنية) فإنه يكون بإيجاد إجابات مقنعة للأسئلة الآتية:

- انظر إلى النهاية المتوقعة لطريق المجال: هل توافق حلمًا من أحلامك أو الصورة التي تحب أن تكون عليها أو التسمية التي تحب أن تُعْرَفَ بها في المستقبل؟
فمثلًا: يمكنك اختبار رغبتك في دراسة الموسيقى بالنظر إلى ما سيؤول إليه وضعك في المجال: "عازف" أو "مطرب" أو "معلم موسيقى" أو "مؤلف موسيقي".. هل هذه النهايات تلائمك؟ هل هذه الأعمال محببة إلى قلبك؟ هل هذه التسميات مصدر فخر وسعادة لك؟

- هل يتقاطع العمل بالمجال (أو يشمل) بعضًا من الأنشطة التي تمارسها بالفعل قبل دخوله؟
فمثلًا: يمكنك اختبار رغبتك في دراسة التصوير بالنظر في أنشطتك الاعتيادية.. هل تجد بينها أي نشاط له علاقة بالانجذاب للتكوينات البصرية المميزة وما إلى ذلك؟ .. هذه أيضًا أداة اختبار مهمة.

- هل تجد من نفسك اهتمامًا غيرَ مسبب بمتابعة المستجدات في المجال والتعرف على أهم الجهات والأشخاص المؤثرين فيه؟ هل تلفت انتباهك -رغمًا عنك- الأخبار المتعلقة به؟
فمثلًا: إذا كنت من متابعي مواقع معينة على شبكة الـ"إنترنت" وصفحات وحسابات مخصوصة على مواقع التواصل الاجتماعي؛ لا لشيء إلا لأنها تتصل بمجال معين.. فهذا مؤشر قوي على أن هذا المجال يلمس رغبة ما بداخلك أو يحمل حلمًا ما من أحلامك.

بالطبع يمكننا عقد الكثير من الاختبارات بهذا الشكل.. لكن المهم أن نعتمد في اختباراتنا على شيء ملموس كلما أمكن، وأن نكون صادقين مع أنفسنا قدر الوسع، وأن نبذل أقصى جهد في التحلل والتخفف من الضغوط الاجتماعية.. ومن الأفكار الساذجة الشائعة التي تم غرسها فينا منذ الصغر عن القمة والقاع، والسهولة والصعوبة، والمستقبل المظلم والمستقبل الباهر، وغير ذلك.

ما بعد الرغبة.. أولًا: حصر مجال الاختيار:
قلنا أن الرغبة يجب أن تكون نقطة الانطلاق، وقلنا أنه بعد تحديد الرغبة ينبغي أن نضع هذه الرغبة المختارة تحت الاختبار للتحقق والتثبت منها.. ماذا بعد ذلك؟
بعد ذلك نبدأ في الخروج من دائرة التجريد والتفكير الحر إلى دائرة الواقع والموجود، فننظر في قائمة الكليات والمعاهد المتاحة، ونخرج منها بقائمتين: الأولى لجميع الجهات التي يمكننا من خلالها اكتساب المعرفة والاعتماد المطلوبين للعمل بالمجال مباشرة.. مثلًا: في حال أنك تريد العمل في التصوير: ستقوم بإعداد قائمة مبدئية تضم جميع كليات الفنون التطبيقية بالجامعات المختلفة، وكذلك معاهد التصوير الخاصة ومعهد السينما بأكاديمية الفنون، وبعض كليات الإعلام.. وهكذا.
أما القائمة الثانية فهي قائمة بالجهات التي لا تعطيك التخصصية الكاملة في المجال، لكنها تقربك منه أو تكسبك بعض المهارات التي يمكنك الإضافة لها والبناء عليها فيما بعد للوصول إلى المطلوب.. وهذه القائمة مهمة في حال أنك لم توفق في دخول كلية أو معهد من كليات ومعاهد القائمة الأولى، فعلى الأقل لا تبتعد كثيرًا، وإنما احتفظ ببعض حظوظ الحصول على فرص جيدة للعمل بالمجال ولو من طريق أطول وأصعب قليلًا.. مثلًا: في حال إرادة العمل بالتصوير أيضًا: القائمة الثانية ستضم كليات الفنون الجميلة بالجامعات المختلفة وكذلك كليات التربية الفنية مثلًا.. وذلك للاحتفاظ بفرص دراسة بعض المواد التي تتعلق بالمجال ولو من بعيد.

ما بعد الرغبة.. ثانيًا: نتيجة التنسيق:
بعد إعداد القوائم المذكورة في الخطوة السابقة، يأتي المحدد الثاني الذي يحسم طبيعة الاختيار، وهو –للأسف- محدد خارجي: الحدود الدنيا للمجموع المؤهل لدخول الكليات أو المعاهد المطلوبة بالتنسيق.. بعد ظهور نتيجة التنسيق نجد أنفسنا في مواجهةٍ أخرى: هل يؤهلنا مجموع الدرجات لدخول إحدى الكليات المطلوبة أم أننا سنضطر إلى الدخول في متاهة الاختيارات السلبية؟

المجموع يؤهل:
إذا كان المجموع يؤهل، فعلى أي أساس تتفاضل الكليات المختلفة لنفس التخصص؟ بمعنى: أي كليات التجارة أفضل؟ وأي كليات الهندسة أفضل؟ وهكذا..
في الواقع نجد أن تفاضل الكليات المختلفة يعتمد بشكل كبير على طبيعة التخصص المدروس، ويعتمد أيضًا على ما تريد أن تصل إليه فيه.. فمثلًا: في كليات الحقوق يندر أن تجد تفاضلًا ذا قيمة بين الكليات المختلفة، بعكس الهندسة مثلًا، بعض الكليات تفضل البعض الآخر إما بالمستوى الأكاديمي أو بالمحتوى المدروس أو بجودة المنشآت والمعامل.. وهكذا..
لذلك لن نتمكن من إملاء توصيات محددة وواضحة ومفصلة، لكن بدلًا من ذلك يمكننا الإشارة إلى بعض البنود العامة التي يمكنك الاعتماد عليها في القياس والترجيح:
1- المستوى الأكاديمي: والمستوى الأكاديمي يعتمد على: المحتوى المدروس، وعلى ثقل أعضاء هيئة التدريس.. يمكنك قبل اختيار إحدى الكليات أن تسأل عن الكتب المعتمدة للتدريس فيها ومدى ملائمتها لسوق العمل وأن تسأل كذلك عن الأساتذة والمدرسين ومدى احتكاكهم بالواقع العملي وغير ذلك.. من خلال هذه الاستعلامات البسيطة يمكنك أن تعقد مقارنة سريعة لتعرف أي الكليات أفضل أكاديميًا.
2- وزن وثيقة التخرج في سوق العمل: بعض الكليات تقدم محتوىً أكاديميًا ثقيلًا، لكنها تحمل سمعة سيئة في سوق العمل لأسباب ما لسنا بصدد التفصيل فيها الآن.. هذه الكليات من الأفضل الابتعاد عنها إن كانت التنافسية بالمجال كبيرة وتعتمد بشكل شبه كلي على سمعة الجهة الأكاديمية المتخرج فيها.
3- التخصصية: بعض الكليات تقدس التخصص، وبالتالي تجد سنة التخصص فيها تأتي مبكرًا عن غيرها.. لذا ففي حال أنك تريد التخصص المبكر للتحصيل المُرَكَّز في مجال محدد سيكون من الأفضل بالنسبة لك أن تختار الكلية التي تسمح بالتخصص المبكر.
4- الساعات المعتمدة: عند إرادة الدراسة بإحدى الجهات الخارجية أو تحصيل إحدى الدبلومات الدولية فإن التعامل غالبًا ما يكون بنظام الساعات المعتمدة.. وبعض الجهات لا تقبل الالتحاق بها أو الاعتماد منها إلا بعد مجاوزة عدد محدد من الساعات الدراسية المعتمدة، ومن لم يجاوز هذا الحد سيتوجب عليه الحصول على معادلة أو دبلومة إضافية للوصول إلى الرقم المطلوب.. وعليه: من الأفضل دائمًا البحث عن الكلية التي تتخرج فيها بعدد ساعات معتمدة أكبر.
5- جودة المنشآت: خصوصًا للكليات العملية التي تعتمد بشكل كبير على توفر معامل جيدة أو صالات مجهزة وأدوات صالحة.. ككليات الهندسة والعلوم والزراعة مثلًا.. يُعرف عن جامعة الأزهر مثلًا أنها الأكثر سوءًا في هذا الجانب على الرغم من الثقل الأكاديمي.. وهذا جانب مهم جدًا للتمكن من بناء خبرة عملية جيدة في خلال سنوات الدراسة بفئة الكليات المذكورة.
6- قوة العمل الطلابي: هذه أيضًا نقطة مهمة جدًا جدًا للحصول على أقصى استفادة من المرحلة الجامعية، بعض الكليات تُقَدِّرُ العمل الطلابي بشكل أكبر من نظيراتها، مثلًا بالنسبة لكليات الهندسة فإن كلية الهندسة بجامعة عين شمس هي كلية قوية جدًا على مستوى العمل الطلابي، وبها أكثر من نشاط سواء لخدمة التخصص أو لتنمية المهارات العامة لدى الطلبة، وبالتالي فهي اختيار جيد لو نظرنا من هذه الزاوية.

الاختيارات السلبية:
في حال أن المجموع لم يكن يؤهلك لدخول إحدى الكليات التي تتفق مع رغباتك، أو أنك لم تكن قد وقفت على رغبة حقيقية لك من الأساس، سيتوجب عليك حينها الاختيار بين بدائل تبدو متساوية تمامًا، وبالتالي لابد من اتباع أي نظام للاختيار حتى لا تقع في دائرة من العبثية والعشوائية المطلقة.. وفيما يلي بعض البنود المقترحة التي يمكننا أن نبني منها نظامًا للاختيار بين التخصصات المختلفة في هذه الحالة:

1- إمكانية الدخول من غير البوابة الجامعية: بعض المجالات أكثر انفتاحًا من البعض الآخر، وبالتالي فالدخول إليها لا يتطلب المرور عبر بوابة الدراسة في كلية معينة، كالعمل بمجال الإدارة أو التسويق مثلًا، رغم أن كلية التجارة (إدارة الأعمال) هي التي تدرس هذه التخصصات، إلا أنها تخصصات مفتوحة جدًا ويمكن الدخول إلى عالمها بسهولة من الخارج، وبالتالي فاستثمار الدراسة الجامعية في مجال آخر سيكون خيارًا حكيمًا، لتفتح لنفسك أكثر من باب.

2- عدد سنوات الدراسة: طالما لا تدري لنفسك غاية من الدراسة الجامعية، حاول تقصير مدتها قدر الإمكان، لأن فاقد الغاية يصاب بالملل أسرع من غيره، ابتعد عن الكليات ذات عدد سنوات الدراسة الأكبر، لتخرج إلى الحياة العملية سريعًا، والحياة العملية كفيلة بتأهيلك بالقدر الكافي.

3- مدى الاستهلاك البدني والذهني والمادي:
كما قلنا في النقطة السابقة: فاقد الغاية يستسلم بسهولة أكبر، وبالتالي يستحسن لك الابتعاد عن الكليات التي تستهلك وقتًا وجهدًا كبيرًا، والمرهقة على المستوى المادي كذلك.. حتى لا تجد نفسك مضطرًا للتوقف في منتصف الطريق بعد استنزاف قدر كبير من طاقتك.

4- إمكانية القيام بنشاط إضافي مجاور:
تجربة الدراسة الجامعية هي تجربة مُقَيَّدة نوعًا ما وبالتالي فالاستفادة منها محدودة غالبًا، وعلى ذلك: لن تتاح لك فرصة التجريب والانطلاق في المساحات المختلفة إلا خارج الكلية في خط موازٍ لها، لذا حاول عند اختيارك أن تختار الدراسة بكلية تترك لك جزءًا كبيرًا من الوقت يسمح لك بالتجريب والانطلاق في الأعمال الطلابية والمؤسسات العامة والأنشطة الفنية أو الأعمال الحرة أو الانتظام في وظيفة مناسبة أو حتى إنشاء وإدارة  مشروع صغير.

5- وفرة الفرص المحلية للعمل:
عادةً ما يعتمد توافر الفرص الخارجية للعمل على عوامل خارجة عن طبيعة التخصص، كإجادة اللغة مثلًا وتحصيل بعض الإجازات والرخص الدولية وما إلى ذلك، لذلك فالأمور هناك متساوية تقريبًا.. لكن وفرة فرص العمل المحلية تعتمد بشكل كبير على مدى نشاط القطاع الذي يتطلب عاملين كثر بهذا التخصص، فمثلًا نجد في مصر طلبًا كبيرًا ومستمرًا على المحاسبين، والمهندسين الإنشائيين، والمحامين.. في حين أن بعض المجالات الأخرى خاملة تمامًا وبالتالي تنعدم فرص العمل بها محليًا تقريبًا.. دراسة قسم الفلك بكلية العلوم مثلًا، أو دراسة التكنولوجيا الحيوية في كلية الزراعة، وغيرهما.. وعلى ذلك: احرص على اختيار مجال يمكن توفير فرص عمل محلية فيه بسهولة، حتى لا تجد نفسك مضطرًا للانتقال إلى مجال آخر بعد إهدار سنوات الدراسة الجامعية في اللاشيء.


6- عمومية المجال وسهولة الانتقال منه مهنيًا:
بعض المجالات يسهل الدخول إليه، والبعض الآخر يسهل الخروج منه.. الأول تحدثنا عنه في النقطة الأولى من هذه البنود، والدور هنا على النوع الثاني، الذي يسهل الخروج منه عند إرادة التغيير.. بعض المجالات تحصرك بداخلها تمامًا وفي حال عدم توفر فرص للعمل بها ستجد نفسك أمام باب مغلق، كدراسة الآثار مثلًا، في حال توقف هذا السوق عن العمل لن تستطيع العمل خارجه –غالبًا- إلا بتحصيل مهارات أخرى تمكنك من الانتقال لعمل آخر.. بعكس مجال كهندسة الحاسبات مثلًا، يفتح لك أبوابًا واسعةً عند إرادة الانتقال منه، وهذا حال أغلب المجالات التي تتعلق بالتكنولوجيا الرقمية.

 
7- موقع المجال من تطورات الحياة:
 بعض المجالات تكاد تصل إلى وضع شبيه بانقراض الأحياء، لأن وظائفها تعاكس خط تطور الحياة وتقدم البشرية.. وبالتالي فالانتساب إلى كلية من الكليات التي تسلم لها هو حكم على النفس بانتهاء مبكر للصلاحية.


ختام:
في النهاية نحن نسلم معكم بحقيقة أن البشر أعقد من أن ينتظموا على قاعدة أو أن يخضعوا لتصنيف أو يناسبهم تعميم.. لكن نحن فقط نحاول –من خلال الخبرة المكتسبة من تجاربنا السابقة- أن نسلمكم مفاتيح للتفكير ووزن الأمور، عسى ذلك يجعل اختياراتكم أسهل، وأكثر نضجًا ومنطقية.