في حديثنا السابق عن كيفية اختيار الكلية الأنسب (هنا)، ذكرنا في ثنايا الحديث رؤيتنا لتجربة الدراسة الجامعية على أنها تجربة "مُقَيَّدَة"، وكنا نعني بذلك أن الاستفادة منها محصورة داخل الإطار العلمي الأكاديمي الذي وضعه الأساتذة والإداريون المسؤولون عنها، أما الاستفادة منها على مستوى البناء الشخصي محدودة جدًا، لا مهارات ولا رعاية للمواهب الفردية ولا إضافة نوعية على مستوى الثقل الشخصي ولا تأهيل ذهني ونفسي ولا زراعة لقيم مهنية أو حياتية.. الأمر يقتصر فقط على المحتوى العلمي المدرس، وبالتالي فتحصيل أمور مثل هذه الأمور المذكورة يتوقف دائمًا على تجارب موازية للمسار الجامعي ينتظم فيها الطالب باجتهاده الشخصي، وعلى قدر المعرفة المسبقة بأهمية مثل هذه التجارب وضرورتها يفترق الناس في حرصهم عليها إلى فرق، بين مهتم بها ونشط فيها إلى أبعد الحدود وبين عازف عنها بالكلية، أو غيرهما ممن ينتسب لها خاملًا زاهدًا منطفئًا.. في هذه السطور القليلة سنحاول إلقاء الضوء على بعض هذه التجارب وبيان أهميتها ودورها في بناء الذات لمواجهة الحياة عمومًا، وكذلك أثرها على الإجادة في الجانب المهني بعد التخرج.

وصية:
قبل أن نبدأ في سرد الأنشطة التي ينبغي لك الانخراط فيها في أثناء دراستك الجامعية، وجدنا أنه من الضروري التنويه بوصيتين غاية في الأهمية:

الأولى: سنوات الجامعة هي آخر سنوات الخلو الذهني والنفسي المطلوبين لتحصيل المهارات والمعارف بأريحية، بعد ذلك تتكاثر عليك الانشغالات في الحياة العملية التي ستقوم باستنزافك نفسيًا وذهنيًا بقدر لن تتمكن معه من التحصيل بنفس الكفاءة.. لذلك فما ينبغي لك فعله في مرحلة الجامعة هو استغلال نشاطك لأقصى درجة ممكنة، لا تدع فسحة من وقت إلا شغلتها بأي نشاط ثقافي كان أو اجتماعي أو رياضي أو غير ذلك.. المهم: ابقَ منشغلًا قدر المستطاع، ولا تضيع الكثير من وقت، واعلم أنك لن تندم أبدًا على شيءٍ تعلمته مهما بدا بعيدًا عن مجال تخصصك، كل شيءٍ تتعلمه سيكسبك طريقةً في التفكير أو مهارةً ما تساهم في تكوين شخصيتك وتضيف إلى عقلك وسلوكك حتى لو لم تدرك ذلك ولم يبدُ واضحًا عليك.

الثانية: عادةً ما لا يتاح لنا التعرف إلى أنفسنا بالقدر الكافي قبل المرحلة الجامعية، ذلك أن فرص التجريب تكون محدودة جدًا.. لذلك نقول: المرحلة الجامعية هي فرصة ذهبية لبداية التعرف على ذاتك بالشكل المطلوب، اسمح لنفسك بالتجريب واختبار القيم والرغبات والأفكار، كلما وجدت فرصة لتجربة جديدة لا تصادم إحدى أولوياتك لا تتردد في خوضها والانتفاع منها.. ومع الوقت سيتَبَدَّى لك عن نفسك ما لم تكن تعرف، وستكتسب قدرًا لا بأس به من الثبات والثقة في اتخاذ قراراتك فيما بعد.

هاتان الوصيتان تمثلان "بوصلة" ضبط اتجاهك ومستودع الطاقة الدافعة لك في كل مراحل دراستك الجامعية.. لذا يمكننا الشعور بهما واستصحابهما عند حديثنا عن أي نشاط من الأنشطة التي ننصح بممارستها في أثناء الدراسة بالجامعة، والتي نسردها مباشرة فيما يلي:

1- العمل التطوعي والأنشطة الطلابية:
الانضمام ليس كافٍ، احرص على أن تكون عضوًا فعالًا، وتطَلَّع للوصول إلى مستويات مسؤولية أعلى، العمل في الأنشطة الطلابية ومؤسسات العمل العام يفتح لك بابًا واسعًا للتعرف على نفسك من ناحية، وللتعرف كذلك على المجتمع بمختلف فئاته من ناحيةٍ أخرى، ناهيك عن المهارات التي ستكتسبها من التجربة.. ولفهم هذا العالم بصورة أكبر يمكنك مطالعة مقالنا السابق عن الأنشطة الطلابية وكيفية الاستفادة من العمل بها من هنا.

2- العمل مستقلًا أو بدوام جزئي:
أسواق العمل باتت مفتوحة على مصراعيها والطلب لا يتوقف على كفاءات في كافة المجالات، وأنت بحاجة في عمرك هذا وظروفك هذه إلى كسب المال وتحصيل بعض المهارات والخبرات المهنية اللازمة لخوض الحياة العملية فيما بعد بثقة وجرأة أكبر.. ولا يشترط أن تعمل في المجال الذي تتعلق به دراستك الأكاديمية، المهم أن تجد لنفسك عملًا يمكنك تأديته بكفاءة مقبولة وانتظم فيه.. علم الناس مهارة تجيدها بمقابل بسيط، أو أنشئ نشاطًا تجاريًا صغيرًا، أو انتظم في عمل بدوام جزئي في أي جهة عن طريق أحد المعارف.. وهكذا.

3- اللغة:
العلم لا يمكن تحصيله إلا بلغة، والكثير من العلوم الحديثة التي تعتمد على التكنولوجيا وتوظفها أو تهدف إلى تطوير تقنياتها هي علوم أجنبية، وبالتالي فجميع المصادر المتاحة للمطالعة والتحصيل ستجدها بلغة أجنبية، وعلى ذلك: إذا لم تتقن اللغة ستظل في معزل عن مساحة كبيرة جدًا جدًا من المعرفة اللازمة لمجالك.. كذلك إذا كنت تنتوي السفر مستقبلًا للعمل او الدراسة بالخارج فاللغة مطلوب ضروري.. وأقل الواجب عمله في أثناء دراستك الجامعية: إتقان لغة ما –غير لغتك الأم بالطبع- بشكل كامل، والوصول لمستوى متوسط في لغة أخرى.

كيف أحدد ما أدرس من اللغات؟
تتحدد اللغة الأولى (التي يجب عليك الوصول فيها لمستوى الإتقان) بشكل كبير بناءً على مجال تخصصك والبلاد الرائدة فيه، فمثلًا ألمانيا هي البلد الرائد في مجال الهندسة المكيانيكية، وبالتالي سيكون من الحكمة إتقان الألمانية كلغة أجنبية أولى لمن يدرسون هذا المجال ويريدون الوصول لدرجات علمية ومهنية عالية فيه.

واللغة الثانية تتحدد كذلك بناءً على نفس المعيار، بجانب معايير أخرى عامة (كاتساع المساحة الجغرافية للمتحدثين باللغة وشمولها مناطق يحتمل السفر إليها) أو معايير شخصية (كمجرد الحب أو الرغبة).

وعلى كل حال: أيًا كانت اللغات المختارة للدراسة والتعلم، ينبغي لك أن تضع الإنجليزية في الاعتبار، وأن تجعل لنفسك وردًا ثابتًا من التدرب على مهاراتها المختلفة، وأن تواظب على هذا الورد حتى تحصيل قدر كافٍ من مهاراتها والتمكن من التعامل بها بدرجة مقبولة.


4- المهارات والمواهب الشخصية:
الناس لا يتفاضلون عادةً بمقدار ما يحصلون من المعرفة والمهارات، لأنها أمور تقبل التساوي بصورة أو بأخرى لذلك كان من السهل انتظامها في درجات معروفة ذات تسميات محددة.. لكن عادةً ما يتفاضل الناس بالمكونات الشخصية المميزة لكل منهم، هذا جيد في الأمر الفلاني، وذاك ممتاز في الأمر العلاني، وهكذا.. لذلك لا تهمل حظ نفسك في تنمية ما يميزها من مواهب ومهارات، ليس فقط لإحداث الإشباع النفسي اللازم؛ لكن أيضًا لأن هذه ستكون اللمسة التي تعطيك تميزًا خاصًا عن كل من حولك.. وللمساعدة على فهم مقصودنا نقتبس من كلام الكاتب المعروف "عمر طاهر" من كلمة ألقاها في إحدى المؤتمرات الافتتاحية لموسم عمل في أحد الأنشطة الطلابية بجامعة القاهرة، قال فيها مجيبًا على سؤال عارض لإحدى الطالبات الحضور: "مهنتك مش هي شخصيتك، مهنتك دي دايرة أنت بتدخل جواها بشخصيتك، وحسب شخصيتك هتبقى بتأثر في الدايرة دي بشكل كويس وللا لأ.. أنا ما ينفعش أعرف نفسي ككاتب، كاتب دي مجرد وظيفة أنا بأديها في إطار معين.. إنما لما آجي أعرف نفسي هقول أنا شخص بيميل نفسيًا لكذا وكذا، وبيعرف يعمل كذا وكذا، وبتستهويه التجارب اللي من نوع كذا وكذا، وماشي في حياته بمبدأ كذا وكذا... الحاجات دي كلها هي اللي بتكون شخصيتي اللي بتظهر تفاصيلها بعدين في أدائي ككاتب، وكذلك أنتم، كل واحد فيكم لازم يبقى عارف أن شخصيته شيء مستقل عن شغله، والاهتمام بتكوين الشخصية هو اللي بيفرق بعدين في أداء الشغل بصورة مميزة وفريدة"! (الكلام منقول بالمعنى).


5- سر مع اتجاه الزمن:
"علمو أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل..."
الجملة الخالدة المنسوبة للخليفة الثاني للمسلمين "عمر بن الخطاب" عند تجريدها تعلمنا درسًا مهمًا: ابحث عن أدوات التفوق في عصرك وقم بتحصيلها، واعلم أن قيمتك الحقيقية بين بني عصرك إنما هي في بلوغ درجات عالية من الإجادة لهذه الأدوات، وعلى ذلك: العالم بأسره الآن تتحكم فيه التكنولوجيا الرقمية ومنتجاتها، من يتفوق تكنولوجيًا تكن له الكلمة العليا، ومن يهمل الأمر يجاوزه الزمن.. احرص على تعلم أكثر من لغة للبرمجة، واحرص على متابعة المستجدات التكنولوجية على الساحة العالمية، سيكون هذا بمثابة ضمان لبقائك فاعلًا طوال الوقت.

6- سافر:
السفر هو خلع لنظارتك الشخصية الضيقة في الحكم على الأشياء، هو انفتاح على عوالم أخرى تعيش معك الدنيا برؤية وأسلوب مختلف.. أغلبنا للأسف لا يعلم حتى عن المجتمعات المشتركة معه في العيش على نفس الأرض وحمل نفس الجنسية، سافر داخليًا وخارجيًا كلما تيسرت لك فرصة، لا يعيبك في شيء الانضمام لبعض مؤسسات العمل العام لأجل هذا الغرض: التحرك كثيرًا في أنحاء مختلفة من البلد ومخالطة مجتمعات وطبقات متباينة.. الأمر فارق جدًا في انفتاحك الذهني وقبولك النفسي للآخر فيما بعد.. ويستحق أن تبذل له من وقتك ومن جهدك ومن مالك.. سافر حتى دون أن تهتم بالإجابة على سؤال: "لماذا".. السفر يصلح أن يكون غاية في ذاته.. سواءً كان لأهداف علمية أو استكشافية أو سياحية أو حتى ترفيهية.

7- ثقل حقيبة علاقاتك:
العلاقات الطيبة ليست كنزًا اجتماعيًا فقط، هي أيضًا فرص دائمة للاستفادة العملية، احرص على إقامة علاقات طيبة مع أساتذتك في الجامعة، في كل فعالية تدريبية أو تثقيفية أو مهنية احرص على الخروج بصداقات كثيرة، لا تجعل الاختلافات الدينية أو الاجتماعية أو السياسية حاجزًا بينك وبين الآخرين.. الانفتاح على التجارب المختلفة عنك هو بداية طريق معرفتك بحقيقة نفسك، تجنب خسارة الناس ما استطعت، وجه تعاملاتك دائمًا نحو المشترك وتفادى دفعها نحو مساحات الاختلاف.. نجاحك اجتماعيًا في هذه المرحلة يتوقف عليه الكثير من سهولة تحركك في حياتك بعد ذلك.

8- حصل في مجالك خارج محتوى الكلية:
المحتوى الذي تدرسه عن مجالك في الكلية ليس هو كل ما وصل إليه البشر من علم في هذا المجال، إنما هو اختيارات من بين المطروح لإعطائك القدر الضروري من المعرفة عن المجال، لكن في كل الأحوال فالمجال أوسع من ذلك بكثير.. تابع المجلات والمواقع الإلكترونية والجهات المحلية والدولية المهتمة بطرح محتوى معرفي عن مجالك، ابحث عن فرص للتدريب ما أمكن واجعل الهدف من التدريبات المهنية التي تنتظم بها في هذه الفترة هو الاستفادة العملية وتجميع الخبرات ولا تلتفت كثيرًا إلى اسم المكان الذي تتدرب به أو قيمة الشهادة التي ستأخذها بعد إنهاء فترة التدريب.. أنشئ قائمتك الخاصة بأسماء الفعاليات الدولية والمحلية المهمة التي تتعلق بمجالك واعمل على تأهيل نفسك للمشاركة فيها.. باختصار: ما تدرسه في الكلية غير كافٍ على الإطلاق فلا تقف عند حدوده أبدًا!

9- لا تقف عند حدود مجالك:
في هذا الزمن تشابكت العلوم إلى حد بعيد، ولم تعد الحدود بين المجالات واضحة بالدرجة الكافية.. وبالتالي فتحصيلك خارج المجال ليس رفاهيةً ولا فضولَ معرفة، وإنما هو محاولة حقيقية لتوسيع دائرة الرؤية وبلوغ الدرجة المطلوبة من الثقل المعرفي.. لم يعد مقبولًا أن يجهل المهندس القانون، وأن يجهل الطبيب الإدارة، وأن يجهل المحاسب البرمجة، وأن يجهل الكاتب التسويق، وهكذا.. اعلم أن كل ما تتعلمه خارج المجال سيعود عليك بالنفع فيه، وسيضع بين يديك أدوات أكثر للوصول إلى نتائج أفضل، قم بتصنيف المهارات والمعارف إلى مجموعات حسب قربها من مجالك وتقاطعها معه، وتعلمها تدريجيًا من الأهم إلى الأقل أهمية.. هذا سبيل النجاح.
 

10- اقرأ:
اقرأ.. "نقطة"!