الأسواق التجارية يكون الحُكْم فيها دائمًا للمستهلك لا للمحتاج.. بمعنى أن من يُقَرِّر وضع السوق وأسعار السلع وحجم المعروض ونوعيته وما إلى ذلك هو الجمهور المستهلك، حتى ولو لم يمثل طلب هذا الجمهور المستهلك الحاجات الرئيسية للجمهور المعني بهذه السوق.. وخير مثال على ذلك في مصر ما نراه في سوق الكتب.. المكتبات تنتقي المعروض بما يلائم الطلب، فتشيع كتابات بعينها لكُتَّاب بعينهم ويتعذر معها الحصول على نوع آخر من الكتابات لنوعية أخرى من الكتاب.. والأسعار دائمًا أنسب لأولئك المستهلكين الموسميين الذين يعاملون الكتب على أنها تحف فنية تقتنى ليتباهى بها.. وحجم الإنتاج يزيد جدًا أو يقل جدًا حسب رغبات هذا الجمهور المستهلك، فتجد ندرة في بعض المساحات ووفرة في أخرى.. وهكذا.

وسط هذه الأوضاع يضيع الجمهور الحقيقي لهذه السوق ولا يجد من ينظر إليه نظرة اعتبار، رغم أنه يمثل شريحة العملاء الدائمين.. على كلٍّ: هذه الأحوال دفعت الكثير من القراء إلى محاولة تكوين ما يشبه النوادي الكتابية لا لمناقشة موضوع أو قضية معرفية معينة وإنما لتبادل الخبرات السوقية للحصول على ما يراد بجودة مقبولة وسعر مرض.. وبناءً على مساعي هذه النوادي والمجتمعات الصغيرة نحاول في هذه السطور أن نقدم دليلًا مختصرًا لسوق الكتب في مصر من حيث الأماكن والأسعار والمساحات المعرفية المغطاة.. وسنجعل الأخيرة أساس التقسيم والسرد.

 

أولًا: الكتب الأكاديمية:
في هذه المساحة ثمة نوعين من الأسواق.. أسواق مختصة، وأسواق عمومية.. أما الأسواق المختصة فنقصد بها ما يجاور بعض المنشآت الأكاديمية ويختص بخدمة أهل التخصص بها، كما في سوق الكتب الهندسية في "عبده باشا" بالعباسية بجوار كلية الهندسة بجامعة عين شمس.. وكسوق الكتب الطبية الكائن في (أو بجوار) كلية طب "قصر العيني" بالقاهرة.. وكسوق الكتب التجارية والحقوقية الملاصقة لكليتي التجارة والحقوق بجامعة القاهرة أيضًا.. وغير ذلك.

أما السوق العمومي فتمثله "المكتبة الأكاديمية" بشارع التحرير بالدقي، وفيها تتواجد كافة المراجع الأكاديمية الكبرى في جميع المساحات المعرفية، لكن القسم الإنجليزي فيها أغنى بمراحل من القسم العربي نوعًا وكمًا.


ثانيًا: كتب العلوم الإنسانية (النفس-السياسة-الاجتماع):
هذا سوق شحيح بالإنتاج العربي إلى حد بعيد، والإنتاج القيِّم يقتصر بشكل كبير على الإنتاج الأجنبي والمترجمات.. لذا نجد ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار الكتب في هذه المساحة نسبةً إلى غيرها.. وتتمركز سوق هذه الكتب في مكتبتي "تنمية" في شارع "هدى شعرواي" بـ"وسط البلد"، ومكتبة "الشبكة العربية للأبحياث والنشر" في شارع "عبدالخالق ثروت" بـ"وسط البلد" كذلك.


ثالثًا: كتب الأدب العربي والكتب الشرعية:
هذا سوق غزير الإنتاج لكنه يحتاج إلى خبرة كبيرة في التعامل كونه يعتمد بشكل كبير على عمل المحققين، لأنه يضم كتب التراث بالمقام الأول، لذا يحتاج الأمر إلى نوع من الخبرة لمعرفة المكتبات ودور النشر ذات المطبوعات الجيدة في الشكل والمضمون، وكذا أسماء المحققين المعتمدين، وغير ذلك.. ويتمركز سوق هذا النوع من الكتب في محيط الجامع الأزهر بالقاهرة القديمة.. دار "القدس" للنشر والتوزيع خلف الجامع الأزهر ودار "خزانة الأدب" أو "الذخائر" تمثلان قُطْبَيْ إنتاج كتب الأدب العربي القديم وكتب تراث علوم العربية عمومًا.. ويناظرهما في العلوم الشرعية مكتبتي "الحلبي" و"دار السلام" في مساحة العلوم الشرعية، الأولى تقع خلف الجامع الأزهر والثانية في مقابل قبة "الغوري" بالقرب من بداية شارع المعز بالقاهرة الفاطمية.
 

رابعًا: كتب الشأن المصري:
هذا النوع من الكتب تجده دائمًا في المؤسسات ودور النشر الحكومية.. روز اليوسف في شارع القصر العيني، الهيئة العامة للكتاب بفروعها (الفرع الأكبر في تقاطع شارع الشريف مع شارع عبدالخالق ثروت بوسط البلد)، والمركز الدولي للكتاب (تابع للهيئة) أمام دار القضاء العالي، والمجلس الأعلى للثقافة بالأوبرا، والهيئة العامة لقصور الثقافة بشارع القصر العيني قريبًا من محطة مترو سعد زغلول.
 
خامسًا: الكتب المترجمة:
المترجمات يعول فيها بالأساس على المركز القومي للترجمة في دار الأوبرا المصرية بالجزيرة.. وأيضًا ما ينشر في مكتبتي "تنمية" و"الشبكة العربية" اللتين أسلفنا ذكرهما.

سادسًا: الكتب الأجنبية:
النسخ الجيدة من كتب الأدبيات الغربية يكاد ينحصر توافرها في المكتبات التجارية الكبرى في القاهرة أمثال "ديوان" و"ألف" و"مداد".. لكن لا يخفى الارتفاع الكبير في متوسط الأسعار لهذه الكتب، لذا يدخل على الخط سور الأزبكية كبديل حتمي وإن استغرق البحث عن الكتاب المراد وقتًا أطول واستنزف مجهودًا أكبر، ولا ننسى الإشارة إلى مكتبة الزمالك (الزمالك بوك شوب) في شارع شجرة الدر قريبًا من كلية التربية الموسيقية بالزمالك، التي تضم الكثير من هذا النوع من الكتب باستعمال جيد وفارق كبير في السعر لصالح المشتري.. كذلك نذكر في هذه المساحة مكتبة الجامعة الأمريكية في نهاية شارع "قصر العيني" قريبًا من ميدان التحرير، التي تطرح تنوعًا واسعًا وغنيًا أيضًا، لكن مشكلة ارتفاع الأسعار بها قائمة، مما قد يمثل صارفًا للبعض.

وتقدم "Cherry Blossom Books" خدمة جليلة وفريدة في هذا المجال لجمهور هذا النوع من الكتب، حيث تسمح بطلب بعض الكتب الأجنبية من بلادها الأم في حال عدم توافرها في السوق المحلي، ولأصحاب الرغبة في اقتناء النسخ الأصلية الثمينة ذوات الأغلفة السميكة والأوراق الفاخرة والطباعة بالغة الجودة: يسمح المكان كذلك بطلب نسخ معينة تحمل هذه المواصفات، ويتمكن من توفيرها في خلال مدة يتم الاتفاق عليها.

سابعًا: سوق الكتب المستعملة:
سور الأزبكية، يمكن دائمًا أن يلعب أدوارًا متعددة.. لكن لا يخفى ما يتطلبه الحصول على المطلوب من مجهود في البحث، بالإضافة لإشارة أخرى ربما غابت عن البعض وهي أن السور في الفترة الأخيرة لم يعد يصنف كسوق مستقل لبيع الكتب المستعملة، وإنما غزاه العديد من أصحاب المكتبات والتجار الذين لديهم باع طويل في سوق الكتب عمومًا، وحَوَّلُوه لمنفذ منافس.. مما جعله يشبه السوق السوداء التي تنتقي المنتجات النادرة وتنتظر نفادها من عموم السوق ثم تعيد طرحها بسعر أكبر.. وهذه العملية تمت ملاحظتها بشكل كبير مع مطبوعات المؤسسات الحكومية تحديدًا.


ثامنًا: كتب رخيصة الثمن:
مطبوعات مكتبة الأسرة هي الأقل سعرًا بين الجميع.. تجدونها متوفرة في المركز الدولي للكتاب بجوار دار القضاء العالي في "وسط البلد"، وكذا في فروع مكتبات الهيئة العامة للكتاب..
وعلى ذكر الكتب رخيصة الثمن نذكر المعرض الدائم للكتاب بمركز الربع الثقافي بشارع "المعز لدين الله"، المعرض غني إلى حد مقبول بكتب منوعة بين المجالات والفئات المختلفة وكذا بين الجديد والمستعمل، وتحد أسعارها بـ25 جنيهًا كحد أقصى للكتاب الواحد، ومؤخرًا ألحقت بالمكان "كافيتيريا" يُسمح فيها بالاستعارة الداخلية.

تاسعًا: مكتبات خدمية:
بعض المكتبات لم تقتصر على دور منفذ البيع وفقط، وإنما أرادت تقديم خدمات أخرى للجمهور، فكان ذلك عن طريق إلحاق مساحاتٍ أخرى بالمكتبة تهدف إلى توفير احتياجات أخرى، منها ما وفر مساحة للقراءة والعمل (مكتبات "ديوان" كمثال)، ومنها ما وفر ركنًا للاطلاع أو الاستعارة أو تبادل الكتب المستعملة (مكتبات "صوفي" و" تويا" كمثال)، ومنها ما وفر ما يشبه قاعة ندوات صغيرة لاستضافة الجلسات النقاشية مع الكتاب والمؤلفين أو استضافة حفلات توقيع الكتب المنشورة حديثًا (مكتبات "أ" كمثال)، ومنها ما وفر خدمات أخرى كالوساطة بين دور النشر وبين القراء في جلب الكتب النافدة من المكتبات ومنافذ البيع (مكتبات "ديوان" تقدم هذه الخدمة بنظام الدفع المقدم).. وغير ذلك..
وفي مقال سابق لنا (هنا) نشرنا قائمة ببعض مساحات العمل القاهرية التي تضم مكتبات للاطلاع أو الاستعارة أو التبادل، وتواجدت في القائمة أسماء بعض المكتبات مع شرح مختصر لطبيعة الخدمات التي تقدمها وكيفية الانتفاع منها.. يمكنكم الرجوع إليه كمصدر مساعد للبحث عن المكتبات الخدمية.

كل ما نتمناه ختامًا أن تتصف محاولتنا هذه لتقديم دليل خدمي لجمهور القراء في القاهرة بالشمولية رغم ما فيها من الاختصار.. على وعد بإضافة كل ما فاتنا التنبيه عليه متى يظهر.