المال ليس هو العنصر الوحيد الفضولي المتسلط في هذا العصر، العلم أيضًا لم يعد ذلك القديس الوقور المعتزل في محرابه يمارس طقوسه وينتظر المريدين من حين لآخر، بل غدا صبيًا نَزِقًا يخالط الناس في أسواقهم ونواديهم وملاهيهم.. وأصبح من الطبيعي أن تسمع عبارة مثل "مجلس تحليلي" مجاورة لـ"مباراة كرة قدم"، وعبارة مثل "نظرية تفسيرية" مقترنة بـ"فيلم سينما"، وعبارة مثل "نقد فني" ملازمة لـ"عمل غنائي"!

دخول العلم في هذه المساحات ربما سبَّبَ حالةً ما من عدم الارتياح عند من يُقَدِّسُون الحس الداخلي ولا يرحبون بالجمود والتقعيد الصارم في المساحات التي تخضع للذوق في المقام الأول.. لكن على كل حال لا يمكننا إنكار أن تحصيل قدر ما من القواعد ربما كان أمرًا مساعدًا للذوق على النشاط والعمل، مما يجعل الرؤية تتسع، ويزداد عدد التفاصيل التي يتم الانتباه إليها، فيرتفع مستوى المتعة والإشباع النفسي تبعًا لذلك.. وعلى كل حال: دعك من هذا التبرير النظري، وجرب الأمر عمليًا، وحاول قياس الاختلاف الحادث في نفسك بعد متابعة إحدى البرامج المرئية أو المسموعة التي سنسردها في هذا المقال، وكلها برامج تحليلية لمساحات تصنف كـ"مُسَلِّيَات"!


الـ"أفلام".. ما وراء الصورة
تعودنا عند مشاهدة الأفلام أن يتعلق استمتاعنا على القصة ومحطاتها وتغيرات الأحداث وما إلى ذلك، لكن فهم تفاصيل الـ"ديكور" والرسائل التي تحملها ومناسبتها للجو العام للأحداث، الموسيقى التصويرية ومدى النجاح في توظيفها لخدمة المشاهد، الأداء التمثيلي للممثلين ومدى تميزه لأداءاتهم في أفلام أخرى، الـ"ماكياج" وإكساب الشخصيات المظهر المناسب للأدوار، جودة السيناريو ومدى إقناعه للمشاهد.. كلها أمور عند ملاحظتها في أثناء المشاهدة سترفع مستويات الاستمتاع إلى ذروتها، وستجعل من تجربة المشاهدة تجربة أكثر ثراءً، وستزيد من كثافة الانهماك الشعوري داخل الأحداث لدرجة تأخذك خراج العالم وقت المشاهدة.. مشاهدة حلقات "فيلم جامد" التي يقدمها "محمود مهدي" في مقاطع "فيديو" متتابعة من خلال قناته على "يوتيوب" ستساعدكم كثيرًا في الانتباه لهذه العناصر التي ذكرنا.. "مهدي" يقدم حلقاته بخفة ظل لا محدودة يوازيها ثبات انفعالي شديد يجعلك في حيرة بين الضحك استجابة لسخريته وبين الاندهاش استجابة لجديته، كذلك يتميز البرنامج باستمراريته ومتابعته لكل جديد على المستويين المحلي والعالمي، يمكنكم متابعة قناة "فيلم جامد" على "يوتيوب" من هنا، ويمكنكم متابعة "مهدي" على "فيسبوك" من هنا.

من القنوات التي تقدم محتوىً عربيًا في نفس المساحة أيضًا قناتي: "سينيماتولوجي" و "شريط فيديو"، لكنهما يقومان برصد الظواهر أكثر من قيامهما بتحليل الأعمال بشكل مستقل كما يفعل "مهدي"، يمكنكما متابعتهما هنا و هنا.


الأغاني.. الصوت وحموله
للموسيقى أثر لا يقاوم، ومفعول لا يدفع، وأحكام لا ترد.. لكن يظل انفعال الـ"سمِّيعة" بها مغايرًا لانفعال بقية البشر، هذا لأنهم لا يقفون عند حدود النغم الجميل وفقط، لكنهم أيضًا يجاوزونه إلى أمور مثل: انسجام النغم مع روح الكلمات، وتجسيد أداء الفنان لهما معًا، وتوظيفه لتقاطيع النفس ونبر الصوت ومقدار ما يضع فيه من قوة والتأثيرات الأخرى كالتنهد أو التأوه أو الخروج على النسق بفعل أو بكلام.. جرب اكتساب هذا النوع من الرؤية وستعرف أنك لم تستمع إلى الغناء بحق من قبل!
برنامج "غواص في بحر النغم" للراحل "عمار الشريعي" سيمدك بالحد الأدنى من الثقافة الموسيقية ليقوم في نفسك ذوق موسيقي معتدل، وتعتبر حلقات هذا البرنامج مرجع تراثي مهم، لأن "الشريعي" كان حريصًا فيه على إبراز الروائع التراثية المغفول عنها، وكان تحليله تحليلًا دقيقًا منصفًا مراعيًا لأدق التفاصيل التي ينبغي أن تراعى.. يمكنكم سماع الحلقات الكاملة من خلال هذه القائمة المجمعة على "يوتيوب" من هنا، وعلى "ساوند كلاود" من هنا.

كرة القدم.. في الحركة بركة، وأشياء أخرى!
عموم الجمهور لا يتقبل بالدرجة الكافية تصنيف كرة القدم كـ"رياضة"، هي "لعبة"، نوع من أنواع التسلية المتاحة للجميع، الاختلاف فقط يكون في الأدوار التي يلعبها من يقصدون التسلية منها، البعض يجد غرضه في المشاهدة، والآخر في الممارسة، وثالث في التشجيع الحماسي المخلص، وغير ذلك.. المهم أن هذه الـ"لعبة" لم تعد بتلك البساطة التي كانت عليها في سابق الأيام، ولم تعد إدارة الأمور متروكة لمن هم على أرض الملعب، ولم تعد الكرة عملًا يعتمد على الموهبة الفطرية والذكاء الفردي الذي يوظف لخدمة الجماعة، ولم نعد نسمع ما كنا نسمعه عن اللاعبين المزاجيين الذين كان الاستهتار واللامبالاة والانسياق وراء إشباع المتعة الشخصية هو سبيلهم للنجاح والتألق.. الأمر الآن غدا مقيدًا باحتياجات محددة، يتم تلبيتها من خلال لاعبين أصحاب مواصفات معينة، وكل لاعب يرسم له بدقة كيف وأين ومتى ولماذا يتحرك في الملعب، وما الواجب عليه فعله.. الأمور غدت أكثر تعقيدًا، وكثير من المباريات لم تعد متعتها فيما يقدمه اللاعبون من مهارة.. بل في الشكل الذي يلعب به الفريق كفريق، وكيفية استغلاله لنقاط ضعف الفريق الآخر، ومدى إحكام خطة اللعب من قبل المدرب، والطريقة التي يستجيب بها لمتغيرات المباراة، وغير ذلك.. لذلك لم يعد كافيًا للمدرب أن يكون لاعب كرة قدم سابق شغوف باللعبة، وإنما بات الأمر متطلبًا لدراسات محددة ومؤهلات علمية مخصوصة للتمكن من العمل في هذه المساحة.

ما نريد الوصول إليه: في حال فاتتك المتعة المهارية من اللاعبين على أرض الملعب –وهذا أمر كثير الحدوث للأسباب التي ذكرناها- كيف تجد سبيلًا آخر للمتعة وأنت لا تفهم فيما وراء التحركات والتنظيمات والتشكيلات والمعالجات وما إلى ذلك؟ .. الأمر مطلوب بدرجة ما للاحتفاظ بشغفك تجاه اللعبة، "عفيفي" الـ"زملكاوي" المتعصب أحدث طفرة نوعية في تعريف الجمهور البسيط ببعض قواعد اللعبة من خلال تحليله لمباريات فريقه وكذلك مباريات المنتخب القومي المصري بلغة سهلة واستشهاد مباشر باللقطات التسجيلية من المباراة.. ومؤخرًا تحول برنامجه من مجرد مدونة مرئية على "يوتيوب" (هنا) إلى برنامج فضائي على إحدى القنوات بمواعيد ثابتة وفريق كامل للإعداد والإخراج مما فتح أمامه بابًا واسعًا لإكمال ما بدأ بصورة أفضل وجودة أعلى وانتشار أوسع.


في المرة القادمة عند مشاهدتك لـ"فيلم" أو سماعك لأغنية أو مشاهدتك لإحدى مباريات كرة القدم.. استمتع بانفعالك، وزد على استمتاعك النفسي استمتاعك العقلي بتحليل النظم والعناصر الدقيقة التي قامت عليها هذه الأشياء!