بعض الانتقالات الحياتية تسمح بأن نكون عشوائيين تحركنا الرغبات المفاجئة والانفعالات الطارئة، والبعض لا.. الأمور فيه لا تسير على النحو المطلوب إلا إذا اتصلت بأسباب متينة، ونفسية ثابتة، وعقلية مستقرة، وبدائل واضحة، وموازنات منطقية، وخطوات صبورة متدرجة.. والسفر إلى الخارج عمومًا –وبغرض الدراسة خصوصًا- من هذا النوع الثاني، غالبًا لا يفلح في تجاربه –أيًا كان غرضها- من يحركه سخط طارئ من وضع الاقتصاد المحلي مثلًا، أو من تدفعه رغبة طفولية في محاكاة تجربة منقولة أو غير ذلك.. وعلى ذلك ينبغي لكل راغب في خوض التجربة أن يسلك –بدلًا عن العشوائية- طريق الاختيار الناضج المدروس، ليتم الأمر على الوجه المطلوب.. وهذا النضج في الاختيار لن يتأتى إلا بنظرة شمولية مراعية لكل جوانب التجربة، ابتداءً من تحرير الرغبة الشخصية والوقوف على حقيقتها، وانتهاءً بمعرفة مآلات التجربة على كافة المستويات، وهذا ما سنحاول المساعدة فيه في السطور القادمة بسرد قائمة من البنود التي ينبغي أن توضع في الاعتبار حتى وإن بدت خارجة عن أهدافك وأغراضك، لأنها –لا شك- ستؤثر فيها وعليها.


1- قم بتحرير دواخلك جيدًا:
نتحدث عن "تحرير" الدواخل هنا بمعنى ضبطها وتمحيصها والوقوف على حقيقتها، لا بمعنى إفلاتها وإطلاقها.. التلاعب النفسي في القرارات المؤثرة على مسار الحياة ضار جدًا جدًا، وعواقبه سيئة: ثقل دائم أو انقطاع وتوقف.. وبالتالي فاحرص أشد الحرص على معرفة حقيقة نفسك، طباعك الاجتماعية، ميولك النفسية، طاقات احتمالك للضغوط المختلفة، تقديرك للتغيرات التي تطرأ عليك، تأكد من ملائمة اختياراتك اليوم لنفسيتك وطاقتك في الغد، حتى لا تجد نفسك متورطًا في اختيار مجهد ولا عائد منه على المدى القريب.

2- استجمع معطيات البداية:
الحياة ليست معضلة رياضية يتم التعامل معها بمدخلات ثابتة تعطي نتائج محددة، نعلم هذا جيدًا.. لكن التعامل معها بهذا الشكل الحاد أحيانًا يكون ضروريًا لنستطيع التقدم بجرأة واطمئنان، ضع في اعتبارك أن الحياة أكبر من حساباتك، لكن لا تهمل القيام بهذه الحسابات كليةً..
وعلى ذلك: في موضوع السفر للدراسة بالخارج عليك وضع جميع المعطيات أمامك ليمكنك النظر في بقية الجوانب.. هذه المعطيات تحصل عليها من إجاباتك على هذه القائمة من الأسئلة:
- ما هي الدرجة العلمية التي يمكنك الالتحاق ببرامجها بالنظر إلى عمرك؟ (لتضيق نطاق البحث لا أكثر.. برامج البكالوريا تشترط للقبول عدم مجاوزة سن معين في الغالب بعكس برامج الدراسات العليا).
- ما هو المجال الذي ترغب في دراسته؟
- ما هي المجالات البديلة المتقاربة أو المتقاطعة مع المجال المرغوب في حال عدم توفر برامج صريحة لدراسته؟
- ما هي حالتك الدراسية؟ (المؤهل الأخير، حالة القيد الدراسي، وغير ذلك).
- ما هو وضعك المالي؟ (متيسر، متوسط، ضعيف، أو غير ذلك).
- ما هو وضعك الاجتماعي؟ (التزاماتك تجاه الأسرة والأهل، المسؤوليات الأخرى القائمة، غير ذلك).


3- اعرف كل ما يمكنك معرفته عن المجال المطلوب:
تربينا منذ الصغر على أن الدراسة تبدأ في موعد رسمي محدد، وما قبله إجازة مقدسة خصصت لقضائها في اللهو وفعل الـ"لا شيء"، وبالتالي كنا نقضي فترة مرتبكة في بداية كل عام دراسي إلى أن نستطيع التأقلم والاتزان، وكثيرًا ما كانت هذه الفترات المرتبكة –في بعض التجارب التي يكون إيقاع الدراسة فيها سريع ومتلاحق- تمتد إلى آخر السنة الدراسية وتؤثر على أدائنا العام فيها دراسيًا وحتى إنسانيًا في بعض الأحيان.. وفي تجارب السفر يجب عليك أن تعلم أن أمورًا مثل الفوارق الاجتماعية وتغير العادات المعيشية واختلاف اللغة كلها أمور كفيلة بإحداث حالة من عدم الاتزان في بداية دراستك، فلا تزد الأمر صعوبةً على نفسك بأن تدخل خالي المعرفة تمامًا عن مجالك وعن العلوم التي تدرس فيه.. اعرف عن تاريخه وعن نقاط التحول المهمة فيه وعن المدارس المنهجية المختلفة فيه وعن كل علم من العلوم التي تحسب عليه وعن العلوم الأخرى الداعمة لعلومه الأساسية وعن أبرز أساتذته حول العالم وعن مصادر بناء الثقافة العامة فيه وعن متطلباته من أدوات أو مهارات، وعن المساحات العملية التي يسلمك إليها، وغير ذلك.. كل هذا سيقلل كثيرًا من  حجم ومدة حالة عدم الاتزان في البداية، وسيجعلك تنسجم سريعًا مع المنظومة الجديدة.

4- قم بإعداد قائمة بالوجهات المحتملة:
"الخارج" ليس كتلة واحدة تتألف من عناصر متطابقة ومنتظمة، بل هو أرض مختلفة التضاريس والمناخ.. لذا يجب عليك التعامل معه بنظرة تحليلية، وتقسمه إلى شرائح مرتبة، تضم كل شريحة منها مجموعة من البلاد التي تتشابه ظروف دراسة مجالك فيها من القوة الأكاديمية والقيمة المعرفية، والدرجة العلمية، وموثوقية المستخرج الورقي في سوق هذا المجال، وغير ذلك.. هذه المدخلات ستنتج لك قائمة مبدئية بأسماء العديد من البلاد (أو حتى جامعات وكليات ومعاهد مخصوصة) التي تقع في دائرة الاستهداف، ويفاضل لك بينها على أسس منضبطة جميعها تتعلق بالمجال إما معرفيًا أو عمليًا.

5- فرص المنح:
الدراسة المدفوعة بالخارج مكلفة جدًا على المستوى المادي في معظم الدول التي تصلح كوجهات قيِّمة.. وبالتالي ففي الغالب لن يتيسر لك الأمر إلا من بوابة المنح، وحتى إن تيسر الأمر ماديًا من غير بوابة المنح فلماذا لا توفر ما يمكن توفيره؟
هذا البحث هو أهم بحث ستقوم به في خلال رحلة إعداد نفسك للدراسة بالخارج، لأنه يتعلق بأكثر النقاط حسمًا في إتمام العملية.. ابحث عن المنح وفئاتها والجهات المانحة وكيفية الحصول على منحة تنتمي لفئة متقدمة تضم تسهيلات عالية.

6- الدراسة المدفوعة:
بعض البلاد تشذ عن القاعدة العامة، وتقدم برامج دراسة تكاليفها مقبولة.. على كلٍّ: المعرفة عن برامج الدراسة المدفوعة هو أيضًا بحث مهم وضروري، لأن البرامج المدفوعة عادةً ما تكون معايير القبول بها أقل صرامةً من معايير القبول بالمنح، وبالتالي ففرص الالتحاق بإحداها تكون أكبر نسبيًا، ويبقى التعامل مع التكلفة هو العقبة.

7- أهم الفعاليات الدولية:
لكل مجال فعاليات كبرى تجمع النشطين فيه حول العالم لتبادل ما استجد عليه في البيئات المختلفة وما طرأ عليه من مشكلات أو احتياجات جديدة وما إلى ذلك.. هذه الفعاليات توليها بعض الجهات الأكاديمية عناية خاصة، وتحرص على تنظيم مشاركات خاصة لفئات من طلابها فيها، تقديرًا لقيمة المعرفة العملية الناتجة عن التجريب والاحتكاك بالواقع بجانب المعرفة النظرية الأكاديمية.. عند إرادة السفر للدراسة بالخارج من المهم أن تضع في اعتبارك فرص مشاركتك في الفعاليات التي من هذا النوع، سواء بشكل مستقل أو كممثل للجهة الأكاديمية التي ستننتسب لها.

8- المتطلبات الشائعة:
بحثك عن الوجهات المحتملة سيمَكِّنُكَ من إعداد قائمة بالمتطلبات الشائعة، التي تتفق عليها معظم الجهات الأكاديمية المعتبرة في المجال، الانتهاء من دبلومات معينة مثلًا، أو اجتياز اختبارات خاصة بالمجال أو بلغة التدريس، أو معادلة الوثائق المحلية.. وهكذا.

9- ادرس وجهتك جيدًا:
الانتقال للدراسة بالخارج هو انتقال بالحياة كلها، أنت لا تستبدل جامعة بأخرى، أن تستبدل حياة بالكامل.. وبالتالي فانحصار بحثك في الوضع الأكاديمي والمتطلبات الإجرائية للجهة التي ستسجل بها هو بحث قاصر تمامًا.. ينبغي أن تتسع دائرة بحثك لتشمل كل ما يخص نمط وتفاصيل الحياة في البلد الذي سيمثل وجهتك، ولتسهيل الأمر يمكننا سرد قائمة أخرى بالنقاط التي ينبغي اعتبارها:
- معرفة تاريخ البلد، وأوضاعه السياسية، وأحوال الطقس فيه، وأعداد السكان وأماكن تركزهم، وأوضاعه الصحية (معرفة إذا ما كان حاضنًا لمرض أو وباء معين مثلًا يستلزم بعض الإجراءات الوقائية أو غير ذلك).
- تكاليف المعيشة في البلد.. السكن والانتقالات والمستلزمات الضرورية من طعام وشراب ودواء وملابس، ومدى سهولة توفير مثل هذه الأشياء.
- المناخ النفسي العام لأهل البلد تجاه المغتربين عمومًا أو تحاه فئات معينة منهم.
- العادات والنظم السلوكية لأهل البلد في جميع المساحات: الاجتماعية والعملية وغيرهما.
- في بعض البلاد ستحتاج قبل سفرك إعداد قائمة بأسماء وأماكن المطاعم التي يمكنك الأكل بها مطمئنًا من الناحية الدينية في حال أنك تحمل تحفظات دينية تتعلق بأطعمة ومشروبات معينة.
- هذا البند على درجة كبيرة من الأهمية: معرفة القدر المطلوب من قوانين البلد حتى لا تقع في مخالفة قانونية تودي بك إلى دوامات من المشاكل، وتحديدًا القوانين التي تنظم الأنشطة اليومية: المواصلات، والتعامل مع البيئة، والتعامل مع الغير، وهكذا.
- بند آخر مهم: إجراءات السفر ومتطلبات الحصول على تأشيرة دخول البلد، والأوراق المطلوبة لتأطير الإقامة فيه قانونيًا.. كلها أمور تنبغي معرفتها جيدًا لتجاوز المراحل الأولى بأريحية.


10- كن "ابن بلد":
الاستفادة الإنسانية أبقى بكثير من الاستفادة العلمية، ما تتعلمه تفيد منه في الحياة العملية وفي الأعمال البحثية أو الجلسات النقاشية وفقط.. أما الاستفادة الإنسانية فهي أكثر ارتباطًا والتصاقًا بك أنت.. احرص على مخالطة الناس والانخراط معهم في أنشطتهم لتفهم تكوين منظوماتهم الفكرية والنفسية، لا تنس زيارة المزارات التاريخية والسياحية المهمة، تناول أشهر الأكلات التي يقدمها المطبخ الذي ينتمي إليه هذا البلد، وهكذا.

11- التغطية المالية:
بعيدًا عن تكاليف الدراسة، كيف ستغطي نفسك ماليًا طوال فترة تواجدك؟ ماذا عن فرص العمل بجانب الدراسة؟ ماذا عن الأموال المرسلة من الخارج والتعاملات البنكية في ظل الوضع الاقتصادي الراهن؟ .. الإجابة على هذه الأسئلة وتحديد خطتك المعيشية بناءً عليها ستكون العامل الأهم لتجربة مريحة وقليلة المشاكل.

12- استفد من التجارب السابقة:
النصائح العمومية قد لا تجدي، يلزمك أحيانًا ناصحًا خصوصيًا خاض التجربة قبلك واطلع على ميزاتها وعيوبها ويمكنه إرشادك بدقة وموثوقية أكبر.. اعرف من الأساتذة أكثر عن التجربة الأكاديمية، ومن الطلبة عن الظروف الحياتية.. وبعد الانتهاء من جميع النقاط السابقة، اعلم أنك طرف دائم التواجد في المعادلة، ونتيجتها تتغير بتغيرك، إن للأفضل فللأفضل وإن للأسوأ فللأسوأ.. فاختر لنفسك الاتجاه، واحسم بنفسك النتيجة.