دعونا نتفق أننا نعيش نمط حياة استهلاكي يفرض علينا إنفاق الكثير من الأموال في أنشطة ومنتجات كمالية أو غير ذات أهمية، وبالتالي فمن غير اللائق أن يكون الحديث عن شراء الكتب محكومًا بالنظرة الاقتصادية فقط، فالقراءة شيء مهم ومهم جدًا، ضروري وجدًا.. ولا ينبغي أبدًا البخل بأي مما يستطاع في سبيل إنماء الفكر وتوسيع المدارك وتحصيل المعارف، بل يجب إطلاق طاقة البذل والوصول بها إلى حدودها القصوى، والبعد عن الـ"استخسار" والـ"استرخاص" فيما يفيد على هذا الوجه.. وعلى ذلك: فسردنا القادم لبعض النصائح عن ضبط الميزانية في "معرض الكتاب" لن يكون من باب المساعدة على التوفير غير الناضج، وإنما سيكون من باب مشاركة ثقافة التوجيه الرشيد للأموال، وتجنب إهدارها دون طائل.


معرض الكتاب "فرصة":
من أوصاف الفرصة أنها حدث عارض مؤقت، وهذا ما يدعونا إلى التسابق على استغلالها قبل الرحيل، ولا ينبغي أبدًا أن نعامل الأشياء التي يمتد تواجدها بنفس الشكل الذي نعامل به الفرص المؤقتة، وبالتالي: لا تشتري في معرض الكتاب ما يمكنك شراؤه على مدار السنة بسهولة، وجه تركيزك للآتي:
- دور النشر الأجنبية المشاركة في المعرض ولا يوجد لها منافذ بيع في مصر.
- الدور التي تبعد عن محل سكنك ويصعب الوصول إليها عمومًا في الأوقات الأخرى من السنة.
- استغلال الخصومات الكبيرة التي لا تتوافر خارج المعرض.
- المسارعة بشراء الكتب النادرة أو الكتب التي يتزايد الطلب عليها وتخشى نفادها من السوق.

وفيما يخرج عن هذه البنود تعامل بتمهل وهدوء، ولا تشتر كل ما تقع عليه عينك من عناوين جذابة.


السوق السوداء:
لم تعد الأمور كسابق عهدها بالنسبة لسور الأزبكية وبعض المنافذ الأخرى لبيع الكتب المستعملة، فالصورة الكلاسيكية عن أنك ستجد لدى بائع الكتب المستعملة كل ما تريد ولكن بسعر أرخص هي صورة مغايرة تمامًا للواقع الآن.. فالكثير من التجار أصبحوا أكثر دراية بواقع السوق، وكثيرًا ما تجدهم يقومون باقتناص الكتب النادرة وشرائها بكميات ومن ثم يقومون بتخزينها حتى نفادها من الأسواق ثم يطرحونها بعد ذلك للبيع بأسعار أغلى بكثير من أسعارها الحقيقية، ولهذا تجد الكثير من مطبوعات مكتبة "الأسرة" المعروفة بأسعارها المنخفضة بعد نفادها مثلًا تباع في مكتبات "السور" بأضعاف ثمنها، وكذلك مطبوعات "المركز القومي للترجمة"، وغير ذلك.. وبالتالي: لا تصرف اهتمامك منذ البداية بالذهاب إلى السور ومنافذ بيع الكتب المستعملة، بل الواجب أولًا أن تقتنص كافة النوادر التي يُخشى نفادها، لأنها بمجرد تحولها إلى مكتبات "السور" فإنها تكتسب "تسعيرة" جديدة، فيما يشبه "السوق السوداء" لو صحت التسمية.


وهم الخصومات:
متابعة أسعار دور النشر المختلفة قبل بدء المعرض بمدة أمر في غاية الأهمية، لأن بعض الدور التجارية تتلاعب في "خصومات المعرض الاستثنائية"، وتطرح الكتب بنفس الأسعار القديمة لكن بخصومات وهمية أو بخصومات ضئيلة جدًا لا تستحق التنافس عليها.. وبالتالي فمن المهم جدًا أن تكون على دراية أولية بحال السوق ومتوسطات الأسعار قبل المعرض، حتى لا تقع ضحية للخداع التجاري..
والأهم من ذلك: حتى في حال الخصومات الحقيقية الكبيرة، المفترض أننا نشتري الكتاب لقيمة محتواه لا لأنه رخيص الثمن، وبالتالي فالخصومات وحدها لا ينبغي أن تكون الدافع للشراء، بل هي محفز إضافي في حال كان الكتاب يستحق.


الأولوية للمضمون:
من المهم دائمًا عند شراء أحد الكتب المقارنة بين الطبعات المختلفة لنفس الكتاب وانتقاء الأجود من بينها والأنسب سعرًا، لكن الفخ الذي يقع فيه الكثير من القراء هو أن يتم اعتبار الجودة بناءً على فخامة التغليف وثقل الورق ونوعيته، وهي أمور كمالية لو جاز التعبير، والأولى دائمًا أن يتم اعتبار الجودة بناءً على موثوقية محتوى الكتاب، فالكتاب صاحب التحقيق الأفضل ينبغي أن يقدم على صاحب الغلاف الأجمل، وعند تساوي الطبعات المختلفة في المضمون فالأولوية للسعر الأنسب.. وللعلم: بعض دور النشر تبالغ في تجويد إخراج الكتاب مما يؤدي إلى ارتفاع سعره بدرجة غير متناسبة مع محتواه، لعبًا على اهتمام فئة من جمهور القراء بالصورة أكثر من المضمون، وهذا يجعل بعض النسخ الرديئة أعلى سعرًا فقط بسبب الإخراج المبالغ في تجويده، فتكون بشرائك لمثل هذه النسخ قد أهدرت المال كليًا فيما هو عال ثمنه ورديء محتواه.


بين دار النشر ومكتبات التوزيع:
غالبًا توجد الكتب في دور النشر الأصلية بأسعار أقل من أسعارها في مكتبات التوزيع إلا في بعض الحالات النادرة، وبالتالي فالبحث عن دار النشر الأصلية للكتاب والذهاب إليها مباشرة أفضل من شراء الكتاب من أي مكتبة أخرى، لضمان جودة وموثوقية النسخة من جهة، وللاستفادة من فرق السعر في حال تواجده من جهة أخرى.

"السور":
"سور الأزبكية" سوق له قواعده الخاصة، أولاها وأهمها أنه يسمح فيه بالـ"فصال" على عكس بقية الأسواق، وثانيها أن الكتب فيه يتم تسعيرها بناءً على حجمها لا على جودتها ولا على مناسبة سعرها الأصلي، وثالثها أن الكتاب الواحد يمكن أن يوجد لدى أكثر من بائع باختلافات كبيرة في الأسعار، ورابعها أن الكتب التي نفدت من الأسواق لن تجدها إلا فيه، وخامسها أن البحث فيه مرهق جدًا لكنه يوقعك على الكثير من الكنوز المنسية، وغير ذلك.

الدور الاقتصادية:
هناك العديد من دور النشر التي يمكن تصنيفها كدور صديقة لأصحاب الميزانيات الضعيفة، والتي ينصح دائمًا بارتيادها عند عدم توفر المال الكافي.. أهمها الدور الحكومية بأنواعها: "الهيئة العامة للكتاب"، و"مكتبة الأسرة"، و"المجلس الأعلى للثقافة" و"الهيئة العامة لقصور الثقافة"، و"هيئة المطابع الأميرية"، و"المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية"، و"المركز القومي للترجمة"، وكذلك جناح "دار المعارف" والدور الملاصقة لها (الهلال، والشعب، وأخبار اليوم... وهكذا).

في النهاية لا ننسى الإشارة إلى حقيقة أن التوفير في المعرض هو أمر يعتمد على سلوك المشتري قبل اعتماده على أسعار الكتب، فأصحاب القوائم المُعدة والأولويات الواضحة يوفرون أكثر مهما بلغت أسعار الكتب التي يرغبون في شرائها، وبالتالي فالإعداد الجيد قبل بداية المعرض لا يقل أهمية عن ادخار المال..
زيارة موفقة ومفيدة للجميع!