في الحديث عن الحياة الجامعية ستجد الكثيرين يحدثونك عن المسار الدراسي وتفاصيله وطبيعة المحتوى الذي ستدرسه والمتطلبات المهارية الواجب تحصيلها لتتميز عن أقرانك وكيف تجعل حياتك الجامعية تأهيلًا جيدًا لحياتك العملية فيما بعد، وغير ذلك.. لكن نادرًا ما تجد أحدهم يحدثك عن الأسباب الأولية السابقة على كل هذا، إجابات الأسئلة المركزية، أسئلة القيم والدوافع والمحركات التي ينبغي استصحابها على الدوام في كافة المراحل والمستويات: لماذا نتعلم؟ وكيف نتعلم؟ وما هي معايير التقدم أو النجاح في عملية التعلم؟ وكيف نوظف ما تعلمناه؟ وغير ذلك.. ولعلمنا المزدوج بأهمية هذا الحديث، وبأنه قد يستدعي جدلًا فلسفيًا طويلًا، فسنختار أن نتحدث فيه ولكن بإجمال وتركيز في نقاط بسيطة ومباشرة ومتفق عليها في عرف المجتمعات العلمية على تنوع خلفياتها الثقافية والقيمية.


مشاركة المعرفة:
المعرفة تراث إنساني مشترك، ولكل إنسان الحق في الاطلاع على (واستخدام) كل ما توصل إليه الغير من المعارف والعلوم، وقيمة العلم الحقيقية في أن يكون متاحًا للجميع، ليظل باب الإضافة والمراجعة والتجديد مفتوحًا أمام كل مريد.. الكلام يبدو أكبر من أن يتم إسقاطه على تجربة الدراسة الجامعية، لكن الحقيقة أن من لا يطبقون هذا المفهوم بصوره البسيطة في دراستهم الجامعية لا يتعاملون لاحقًا سواء في المسار الأكاديمي أو المهني بهذا الشرف المعرفي، ومن هنا لزم التنبيه.. ساعد زملاءك ما استطعت، أطلع الآخرين على مصادرك، شارك الآخرين استنتاجاتك، تأكد أن مشاركة المعرفة هي أقصر أبواب تنميتها وزيادتها وتجويدها، وأن المعرفة كالماء: يفسد بالركود والسكون، ويصفو بالحركة والتجدد.



الأمانة العلمية:
 المعرفة مسؤولية.. المعلومة الخاطئة التي تخبر غيرك بها بثقة كاذبة قد تكون سببًا متسلسلة لا نهائية من الأخطاء والكوارث المتوالية.. لا تخبر غيرك بمعلومة إلا بعد نسبتها إلى مصدرها الذي أتيت بها منه، وبعد توضيح نسبة تأكدك من صحتها أيضًا.. الحرص على هذه الممارسة الأمينة البسيطة قد يكون سببًا في تحسين أحوال المجتمع بالكامل!

التجرد والإنصاف:
المعرفة كما قلنا هي مشترك إنساني، وبالتالي كلما اقتربت من الحياد كانت أقرب إلى التعريف المنضبط لها، وكلما بعدت عن الحياد وانحازت للون أو عرق أو دين أو مذهب أو أيديولوجيا كانت أبعد عن هذ التعريف.. الصواب صواب والخطأ خطأ ولا ينبغي أن يؤثر المصدر في تقريرك للصواب من الخطأ، كذلك: البحث طريق الوصول للحقيقة، فإذا كانت الحقائق مقررة قبل البحث أصلًا فالبحث في هذه الحالة عملية صورية لا حقيقة وراءها.. ولن يكون سلوكك علميًا صحيحًا إلا بالتجرد الذي يجعلك تجنب قناعاتك السابقة مع كل بحث جديد، والإنصاف الذي يجعلك تنحاز للحق ولو أتى من طرف مخالف لك.

احترام مجهودات الآخرين:
احترام مجهودات الآخرين يكون بنسبة إنجازاتهم إليهم والأمانة في النقل عنهم وعدم المغالطة في عرض أقوالهم، ويكون كذلك بالاطلاع على إنتاجهم العلمي وهضمه واستيعابه جيدًا، وأخذ كلامهم في الاعتبار والبناء عليه مهما بدا أوليًا أو بسيطًا.. لأن المعارف مهما كانت ساذجة أو بسيطة ففيها دلالة مباشرة على تطور التفكير الإنساني، فلا تتعامل أبدًا مع إنتاجات السابقين باستخفاف، وكن دقيقًا في النقل عنهم.. هذا من الاحترام الواجب علميًا.

احترام الأستاذ:
العلم عملية تراكمية، ولولا الخطوة السابقة ما كانت الخطوة اللاحقة، والمستوى الأعلى هو مجموع ما تعلمته في المستويات الأدنى، وهكذا.. وبالتالي فأستاذك في المرحلة الابتدائية له عليك فضل الأستاذية طوال عمرك ولو تفوقت عليه في المعرفة بعد ذلك، لأنه وضع لك الأساس الأول الذي بنيت عليه تحصيلك لاحقًا.. لذا لا تتوقف في التحصيل أبدًا عند حدود ما يلقنك إياه الأستاذ، لكن كذلك لا يدفعك تفوقك عليه في التحصيل بعد ذلك إلى النظر إليه بفوقية واستعلاء.


في النهاية ينبغي أن نعرف أن المعرفة ارتقاء، وذلك لا يكون إلا باستصحاب قيم نبيلة يزداد استقرارها في النفس بزيادة التحصيل العلمي.. لئلا يتحول العلم إلى أداة للهدم بدلًا عن البناء، والتأخر بدلًا عن التقدم، والانحطاط بدلًا عن الترقي.