قبل بداية الحياة العملية نجد أنفسنا مقبلين عليها محملين بأفكار غرسها فينا الأهل والمجتمع، وتظل هذه الأساطير قيودًا وأثقالًا تكبل تحركاتنا وتعيقها أو تبطئها في أفضل الأحوال.. ولا سبيل لتخففنا منها إلا بمعرفتها ومتابعة بعض النماذج التي تحللت منها وانطلقت في الحياة بدونها حتى يمكننا أن نحذو حذوهم ونتبع سننهم فنفلح كما أفلحوا.


 

الأسطورة الأولى: "خلّص كليتك علشان تبدأ حياتك"

في الواقع تبدأ الحياة مع لحظة الولادة، عداد العمر لا يدور عند لحظة التخرج مطلقًا.. "بداية إيه دي اللي تيجي بعد ما نُصّ العُمْر يعدِّي"!
كل لحظة تقضيها في هذه الدنيا منذ ولادتك هي محسوبة عليك من عمرك، وإن لم تضف فيها لنفسك ولغيرك فهي هدر.. العطلات الصيفية ليست للاستجمام والاستمتاع والراحة وفقط، والمذاكرة ليست هي الواجب الوحيد في مراحل الدراسة المختلفة، وما تحصله في أثناء دراستك يكون لك رصيدًا لما بعد ذلك، ويوفر عليك الكثير من الوقت والمجهود..
وفي هذا السياق نذكر حكاية عن أحد أساتذة كلية الهندسة الكبار بجامعة القاهرة عندما وصفه أحدهم بالعبقري فكان رده: "لأ أنا مش عبقري.. أنا بس بدأت بدري عنكم فوصلت بدري وفاض لي عُمْر أضيف فيه لنفسي وللناس".

 


الأسطورة الثانية: "خد شهادات كتير علشان الشهادات ضمان"

الضمان الوحيد في العمل هو نفسك.. كفاءتك.. إجادتك.. التزامك.. لا يوجد صاحب عمل عاقل يستبقي وجود من لا ينجز ولا يضيف فقط لمجرد أن شهاداته تقدر بالعشرات أو لأن أوراقه معتمدة من جهات لها اسم براق.. وبنفس المنطق لن تجد صاحب عمل عاقل يقوم بالاستغناء عمن يضيف لمشروعه لمجرد أنه لا يمتلك الأوراق المطلوبة.


 

الأسطورة الثالثة: "اضمن مستقبلك"

لن نقوم بدور الواعظ الديني الآن، لكننا سَنُنَوِّهُ بحقيقةٍ بسيطة جدًا.. نحن لا نعلم ما في المستقبل، هذه حقيقة، لا أحد منا يدري ما في غد.. المجازفات غير المحسوبة ليست خيارًا جيدًا بالطبع ولسنا من دعاتها، لكن التحفظ غير المبرر قد يضيع على أحدنا العديد من الفرص الجيدة، وقد يجعله ثقيلًا عن تحصيل المعارف الجديدة واكتساب الخبرات المختلفة.. من يبحثون عن الضمان سيظلون في مطاردة خيالٍ لن يتمكنوا من الإمساك به أبدًا، مع ما في مطاردته من بذل الجهد والعمر والنفس.. لا تبحث عن الضمان بقدر بحثك عن ملء ذاتك والحفاظ على قابليتها لاكتساب المهارات والمعارف.


 

الأسطورة الرابعة: "خلص الخطوة دي الأول وبعدين ابقى بص للي أنت عايزه"

الحياة معقدة جدًا يا صديقي.. ومن جملة تعقيدها أنها لا تسمح لنا بأن نربح كل شيء، لابد من خسارة شيء لحساب شيء آخر، هي لعبة الموازنات الأبدية.. إذا أردت فعل شيء فافعله ولا تنتظر طالما كنت متأكدًا من إرادتك وعارفًا بسبل تحقيقها.. لا تأسر نفسك في مساحة كريهة باعتبار أنها مؤقتة وأنك سوف تتركها يومًا ما بعدما تحقق منها الغرض المطلوب، غالبًا لن تسمح لك الحياة بهذا، كل الطرق تبدأ واسعة، ثم تظل تضيق كلما أوغلت فيها.. "فيما بعد" تلك التي تنتظر مجيئها حين تأتي ستكون أنت أثقل كثيرًا من الآن، ولن تستطيع الانتقال بسهولة مما أنت فيه، وستكون بين خيار الاستمرار فيما ثقل على نفسك ولم تعد تطيق الاستمرار فيه، وبين خيار تركه وخسارة عمر طويل مضى فيه.


الأسطورة الخامسة: "مع الوقت هتتعود على الجديد وهتنسى اللي كنت عايزه"

الرغبات القديمة لا تموت.. تذكر هذا جيدًا..
ستظل تلح عليك وتطلبك كل حين.. وإما أن تجيب نداءها فتطمئن، أو تهملها فتعيش دنياك غريبًا!
 

 

الأسطورة السادسة: "اتعب دلوقتي علشان ترتاح بعدين"

الحياة كلها تعب، صدقني.. ولا نوال إلا بالبذل والجهد، والراحة هي سماح منك للزمن بتجاوزك وتركك على هامشه.. التعب هو السبيل الوحيد للنوال، كما أنه السبيل الوحيد للرضا عن النفس أيضًا.. لا تنظر إلى حقائق الحياة باعتبار أنها أمور مرحلية، حقائق الحياة أبدية ولا تعترف بالحدود الزمنية التي اصطنعناها نحن لمراحل العمر.


 

الأسطورة السابعة: "دراستك أهم من أي حاجة"

الدراسة مهمة من حيثتين: من حيث أنها تكسبك المعرفة اللازمة للانطلاق في المجال الذي تريد التخصص به والعمل فيه، ومن حيث أنها خطوة إجرائية مهمة لاستكمال أوراق ملفك الشخصي بوثيقة التخرج، لتسهيل تحركاتك فيما بعد وإتاحة الفرصة أمامك للانطلاق خارجيًا في المسارات الأكاديمية المختلفة وغير ذلك.. لكن صدقني، ليس لها قيمة ذاتية، ولو لم تكن تحقق ما ذكرنا فلا طائل من ورائها.

 

 

الأسطورة الخامسة: "هتندم على اللي بتعمله ده بعدين"

الندم في هذه الدنيا لا يأتي أبدًا من طريق الأشياء التي تعلمناها، إنما يأتي من طريق الأشياء التي كان يمكننا أن نتعلمها وتكاسلنا ثم اتضحت لنا أهميتها فيما بعد.. فلا تخف من الندم إذا كنت حريصًا على استمرار نشاطك ومحافظًا على تحصيل الجديد.. وفوق ذلك: ينبغي أن تعلم أننا في دنيا متغيرة لا تثبت على حال، ومن الطبيعي أن تمارس اليوم بعض الأنشطة بمنتهى الحماس، ثم بعد ذلك تمر بتجارب أخرى تكشف لك أن الأنشطة التي كنت تمارسها سابقًا هي أنشطة ساذجة وغير جديرة بالاهتمام.. ما المشكلة في هذا؟ .. الخطأ أمر طبيعي، ويجب أن نتحلل من خوف أن نخطئ.. المهم فقط أن نمتلك شجاعة الاعتراف بالخطأ وتغيير العمل به متى انكشفت لنا حقيقته.


 

الأسطورة السادسة: "أنت مضطر"


أحيانًا نصدق بأننا "مضطرون" فقط لنسكن ضمائرنا.. لأننا حين نكون "مضطرين" فإن اللوم لا يكون علينا بل على الظروف التي حبستنا قيد الاضطرار.. حسنًا.. لا تجازف بلا حساب، لكن أيضًا لا تستسلم لفكرة أنك مضطر إلا بعد لعب لعبة الموازنات واستكشاف حقيقة ما في كل كفة وتقديم ما تراه أحق بالتقديم.




الأسطورة السابعة: "أنت محتاج تعمل... وتجيب... وتحقق..."

فارق كبير بين الـ"احتياج" وبين الـ"انسياق".. بعض الأشياء نسعى لها لا لأننا نحتاجها احتياجًا حقيقيًا، لكن فقط لأنه ترسخ في "لا وعينا" أنها من الضرورات التي لا يمكن العيش بدونها، لكن لو أعدنا النظر فيها لوجدنا أنه يمكننا الاستغناء عنها بسهولة..
ونستشهد بذكر قصة حكاها أحد طلاب كلية الهندسة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة من جولة أوروبية التقى فيها أحد الأساتذة الذين كان يطمح إلى لقائهم.. ووجده يعيش حياة بسيطة بعدما ترك سلك التدريس الجامعي واتجه إلى عمل آخر، وعندما سأله عن ذلك أجابه ببساطة: "كنت أعمل عملًا لا أحبه ويوفر لي امتيازات كثيرة جدًا لكني لا أحتاجها في الواقع.. أنا الآن أعمل عملًا أحبه ويوفر لي كل احتياجاتي"!


وبعيدًا عن الأساطير:
- اعلم أن كل نقلة جديدة هي اختبار، ومع كل اختبار ثمة فرصة بكسب أرض جديدة.
- العلاقات الجيدة كنز، والالتزام والاحترام رصيد لك، أنت الغني به ليس غيرك.
- لا تخذل من رشحك لعمل أو مهمة، أنت الخاسر الأكبر.. حتى لو فقدت دافعًا للاهتمام بعملك، ليكن دافعك احترام من وضع ثقته فيك، والحفاظ على صورته أمام أصحاب العمل.
- لا تنتظر الوصول لنقطة اكتفاء أو امتلاء.. لن تصل حقيقةً، فلا تتوهم الوصول طلبًا للراحة.
- ليكن حرصك دائمًا على رصد ما استجد من متطلبات في مجالك، واعرف أن بقاءك فيه متميزًا مرهون بتحصيلها.. فلا تسكن إلا بعد إتمام هذا التحصيل.
- لا تصالح نفسك حال بطالتها وكسلها.

عمر مديد، وأثر طيب.. وحياة منتجة.